" إذا أحب الله قوما ابتلاهم ".
وكل ذلك الوهن والضعف، لا يشغلهم عن المعركة، لأنهم لو صبروا على التحمل لأمدهم الله بمدد من عنده لأنه حين تفرغ أسباب الخلق وتنتهي يأتي إمداد الخالق. ويلفتنا الحق سبحانه وتعالى بتذييل الآية: ﴿ والله يحب الصابرين ﴾ [آل عمران: 146] أي وكفى جزاء عن الصبر أن تكون محبوبا لله لأننا قلنا سابقا: قد نحب الله لنعمه التي أنعمها علينا، ولكن المسألة ليست في أن تحب الله أنت، وإنما في أن تصير بتطبيق منهجه فيك محبوبا لله. وقد أثر عن بعضهم قوله: وإلا ألم تر كثيرا أحب ولم يحب؟!! أنت أحببت للنعم، ولكنك تريد أن تكون محبوبا من الله لأن حبك للنعم لا يكفي، فمثل هذه النعم أخذها الكافر أيضا، إذن فهناك حاجة أخرى. هناك مقدم وهناك ومؤخر فالمقدم هو نعم الحياة وكل البشر شركاء فيها مؤمنهم وكافرهم، ولكن المؤخر هو جزاء الله في الآخرة وهو الأصل.
إذن، فلو أن الناس فطنوا إلى قول الله: ﴿ والله يحب الصابرين ﴾ [آل عمران: 146] لقالوا: كفى بالجزاء عن الصبر أن نكون محبوبين لله، حين أصابهم ما أصابهم. صحيح أن الإصابة لم تصنع فيهم وهنا أو ضعفا أو استكانة، وهذا معناه أن فيهم مسكة اليقين بالله. ومسكة اليقين بالله تجعلهم أهلا لإمداد الله. فليس لك إلا أن تصبر على ما أنت فيه لتعرف مدد الله لك. ومدد الله لك لا يتجلى بحق إلا وقت الضعف لأنك وقت قوتك قد تعمل مثل الذي قيل فيهم:
فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنمآ أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون
[الزمر: 49]. لكن المؤمنين حين أصابهم ما أصابهم ﴿ فما وهنوا ﴾ [آل عمران: 146] لأنهم كانوا متيقظين إلى قضية إيمانية: إن الله لا يسلمك لنفسك إلا حين تغيب عنه، فقالوا: ولماذا حدث لنا هذا؟ لم يقولوا: ربنا انصرنا كي نخرج من الضعف، لا. بل فكروا في الأسباب التي أدت بهم إلى هذا: ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا... ﴾.