تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.7

إذن فبعدما صورنا في الأرحام كيف يشاء على مقتضى حكمته لن يترك الصور بدون منهج للقيم، بل صنع منهج القيم بأن أنزل القرآن وفيه منهج القيم، ولابد أن نأخذ الشيء بجوار الحكمة منه، وإذا أخذنا الشيء بجوار الحكمة منه يوجد كل أمر مستقيما كله جميل وكله خير. فيقول سبحانه: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ﴾ [آل عمران: 7]. ماذا يعني الحق بقول: ﴿ آيات محكمات ﴾ [آل عمران: 7]؟ إن الشيء المحكم هو الذي لا يتسرب إليه خلل ولا فساد في الفهم لأنه محكم، وهذه الآيات المحكمة هي النصوص التي لا يختلف فيها الناس، فعندما يقول:

والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما..

[المائدة: 38]. هذه آية تتضمن حكما واضحا. وهو سبحانه يقول:

الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما..

[النور: 2]. هذه أيضا أمور واضحة، هذا هو المحكم من الآيات، فالمحكم هو ما لا تختلف فيه الأفهام لأن النص فيه واضح وصريح لا يحتمل سواه، و " المتشابه " هو الذي نتعب في فهم المراد منه، وما دمنا سنتعب في فهم المراد منه فلماذا أنزله؟ ويوضح لنا سبحانه - كما قلت لك - خذ الشيء مع حكمته كي تعرف لماذا نزل؟ فالمحكم جاء للأحكام المطلوبة من الخلق، أي افعل كذا، ولا تفعل كذا، وما دامت أفعالا مطلوبة من الخلق فالذي فعلها يثاب عليها، والذي لم يفعلها يعاقب، إذن فسيترتب عليها ثواب وعقاب، فيأتي بها صورة واضحة، وإلا لقال واحد: " أنا لم أفهم " ، إن الأحكام تقول لك: " افعل كذا ولا تفعل كذا " فهي حين تقول: " افعل " أنت صالح ألا تفعل، فلو كنت مخلوقا على أنك تفعل فقط لا يقول لك: افعل، لكن لأنك صالح أن تفعل وألا تفعل فهو يقول لك: " افعل ". وساعة يقول لك: " لا تفعل " ، فأنت صالح أن تفعل، فلا يقال: " افعل ولا تفعل " إلا لأنه خلق فيك صلاحية أن تفعل أو لا تفعل، ونلحظ أنه حين يقول لي: افعل كذا ولا تفعل كذا يريد أن أقف أمام شهوة نفسي في الفعل والترك، ولذلك يقول الحق في الصلاة:

وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين

[البقرة: 45]. فعندما يقول لي: " افعل ولا تفعل " معناها: أن فيه أشياء تكون ثقيلة أن أفعلها، وأن شيئا ثقيلا علي أن أتركه، فمثلا البصر خلقه الله صالحا لأن يرى كل ما في حيزه. على حسب قانون الضوء، والحق يقول له:

قل انظروا ماذا في السماوات والأرض..

[يونس: 101]. ولكن عند المرأة التي لا يحل لك النظر إليها يقول الحق: اغضض.

قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن

[النور: 30-31]. ومعنى " يغضوا " و " يغضضن " أنه سبحانه حدد حركة العين، ومثال آخر اليد تتحرك فيأمرك - سبحانه - ألا تحركها إلا في مأمور به، فلا تضرب بها أحدا، ولا تشعل بها نارا تحرق وتفسد بل أشعل بها النار لتطبخ مثلا. إذن، فهو سبحانه يأتي في " افعل ولا تفعل " ويحدد شهوات النفس في الفعل أو الترك، فإن كانت شهوة النفس بأنها تنام، يقول الأمر التعبدي: قم وصل، وإن كانت شهوة النفس بأنها تغضب يقول الأمر الإيماني: لا تغضب. إذن فالحكم إنما جاء بافعل ولا تفعل لتحديد حركة الإنسان، فقد يريد أن يفعل فعلا ضارا فيقول له: لا تفعل، وقد يريد ألا يفعل فعل خير يقول له: افعل. إذن فكل حركات الإنسان محكومة ب " افعل ولا تفعل " ، وعقلك وسيلة من وسائل الإدراك، مثل العين والأذن واللسان. إن مهمة العقل أن يدرك، فتكليفه يدعوه إلى أن يفهم أمرا ولا يفهم أمرا آخر، وجعل الله الآيات المحكمات ليريح العقل من مهمة البحث عن حكمة الأمر المحكم لأنها قد تعلو الإدراك البشري. ويريد الحق أن يلزم العبد آداب الطاعة حتى في الشيء الذي لا تدرك حكمة تشريعه، وأيضا لتحرك عقلك لترد كل المتشابه إلى المحكم من الآيات. وإذا قرأنا قول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٤