3.175
إنها صرخة الشيطان الذي يخوف أولياءه، ويصح أن يصرخ الشيطان صرخته وهو يتمثل في صورة بشر، ويصح أن ينزغ الشيطان بصرخته لواحد من البشر فيصرخ هذا الإنسان بنزغ الشيطان له ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ﴾ [آل عمران: 175]. وعندما نقرأ القرآن بدقة صفائية إيمانية فلا بد أن نفهم عن القرآن بعمق، فمن هم أولياء الشيطان؟ أولياء الشيطان في هذا الموقف، إما كفار قريش، وإما المنافقون أو هما معا. و " أولياءه " هم أحبابه الذين ينصرون فكرته. كأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يبلغنا: إنما ذلكم الشيطان الذي قال: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، هذا الشيطان إنما يخوف أولياءه. وللوهلة الأولى نجد أن الشيطان مفترض فيه أن يخوف أعداءه. ونحن هنا أمام شيطان ينزغ بعبارة التخويف، فمن الذي يخاف وممن يخاف؟ المفروض أن يخيف الشيطان أعداءه، هذا هو المنطق. فنحن في حياتنا العادية نقول: خوفت فلانا من فلان، أو خوفت فلانا فلانا إذن فالشيطان يحاول هنا أن يتسلط على المؤمنين ويخوفهم من أوليائه الكفار والمنافقين، ونعرف في اللغة أن هناك في بعض المواقف يمكننا أن نحذف حرف الجر ونصل الجملة، ونسميه " مفعولا منه ". مثال ذلك قول الحق:
واختار موسى قومه سبعين رجلا..
[الأعراف: 155]. فموسى عليه السلام اختار من قومه سبعين رجلا. وعلى ذلك نقرأ قول الحق: ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ﴾ [آل عمران: 175] ونفهم منها أن ذلك الشيطان يخوفكم أنتم من أوليائه، لأن حرف الجر في الآية الكريمة محذوف، ويعاضد هذا ويقويه قراءة ابن عباس وابن مسعود: يخوفكم أولياءه، وينبه الحق المؤمنين ألا تخافوا من أولياء الشيطان فيقول: " فلا تخافوهم ". وهذا يوضح لنا أن الشيطان إنما أراد أن يخوف المؤمنين من أوليائه وهم المنافقون والكافرون. وبعض المفسرين قال: " يخوف أولياءه " المقصود بهم أن الشيطان يخوف أولياءه حتى يجبنوا من القتال، فنزغ فيهم أنهم إن خرجوا للقتال فقد يموتون. ولكن إن جاز ذلك القول على المنافقين الذين لم يخرجوا مع الرسول لملاقاة المشركين فكيف يجوز ذلك على الصنف الثاني من أوليائه وهم الكفار؟ إن الكفار قد خرجوا فعلا لقتال المؤمنين. ونفهم من قول الحق: " فلا تخافوهم وخافون " أن أولياء الشيطان ليسوا هم الخائفين ولكنهم هم المخوفون: ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ﴾ [آل عمران: 175]. فالحق سبحانه يطلب من المؤمنين أن يصنعوا معادلة ومقارنة، أيخافون أولياء الشيطان، أم يخافون الله؟ ولابد أن يصلوا إلى الخوف من الله القادر على دحر أولياء الشيطان. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا... ﴾.