3.122
والفشل هو الجبن، والطائفتان هما " بنو حارثة " من الأوس، " وبنو سلمة " من الخزرج، وهؤلاء كانوا الجناح اليمين والجناح اليسار، فجاءوا في الطريق إلى المعركة وسمعوا كلام المنافق ابن سلول، إذ قال لهم: لن يحدث قتال لأنه بمجرد أن يرانا مقاتلو قريش سيهربون. وقال ابن سلول المنافق للرسول: لو نعلم قتالا لاتبعناكم. إلا أن عبد الله ابن حارثة قال: أنشدكم الله وأنشدكم رسول الله وأنشدكم دينكم. فساروا إلى القتال وثبتوا بعد أن هموا في التراجع. وما معنى " الهم " هنا؟ إن الهم هو تحرك الخاطر نحو عملية ما، وهذا الخاطر يصير في مرحلة ثانية قصدا وعزما، إذن فالذي حدث منهم هو مجرد هم بخاطر الانسحاب، لكنهم ثبتوا. ولماذا ذلك؟ لقد أراد الله بهذا أن يثبت أن الإسلام منطقي في نظرته إلى الإنسان، فالإنسان تأتيه خواطر كثيرة. لذلك يورد الحق هذه المسألة ليعطينا العلاج. فقال: ﴿ إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا ﴾ [آل عمران: 122]. وقد قال واحد من الطائفتين: والله ما يسرني أني لم أهم - أي لقد انشرح قلبي لأني هممت - لأني ضمنت أين من الذين قال الله فيهم: ﴿ والله وليهما ﴾ [آل عمران: 122]، وحسبي ولاية الله. لقد فرح لأنه أخذ الوسام، وهو ولاية الله. وهكذا نلتقط العبر الموحية من الآيات الكريمات حول غزوة أحد، ونحن نعلم أن هذه الغزوة التالية لغزوة بدر الكبرى. وغزوة بدر الكبرى انتهت بنصر المسلمين وهم قلة في العدد والعدة، ففي بدر لم يذهب المسلمون إلى المعركة ليشهدوا حربا، وإنما ليصادروا أموال قريش في العير تعويضا لأموالهم التي تركوها في مكة. ومع ذلك شاء الله ألا يواجهوا العير المحملة ولكن ليواجهوا الفئة ذات الشوكة، وجاء النصر لهم. ولكن هذا النصر، وإن يكن قد ربى المهابة للمسلمين في قلوب خصومهم، فإنه قد جمع همم أعداء الإسلام ليتجمعوا لتسديد ضربة يردون بها اعتبار الكفر ولذلك رأينا رءوس قريش وقد منعت نساءها أن يبكين على قتلاهم لأن البكاء يريح النفس المتعبة، وهم يريدون أن يظل الحزن مكبوتا ليصنع مواجيد حقدية تحرك النفس البشرية للأخذ بثأر هؤلاء، هذا من ناحية العاطفة التي يحبون أن تظل مؤججة، ومن ناحية المال فإنهم احتفظوا بمال العير الذي نجا ليكون وسيلة لتدبير معركة يردون فيها اعتبارهم. وقد حاولوا قبل أحد أن يفعلوا شيئا، ولكنهم كانوا يردون على أعقابهم. فمثلا قاد أبو سفيان حملة مكونة من مائة، وأراد أن يهاجم بها المدينة فلما نمى خبرها إلى سيدنا رسول الله نهض بصحابته إليهم، فبلغ أبا سفيان خروج رسول الله، ففر هاربا وألقى ما عنده من مؤنة في الطريق ليخفف الحمل على الدواب لتسرع في الحركة، ولذلك يسمونها " غزوة السويق " لأنهم تركوا طعامهم من السويق.
كما حاول بعض الكفار أن يغيروا على المدينة بعد ذلك أكثر من مرة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذهب إليهم على رأس مقاتلين فمرة عددهم مائة ومرة مائة وخمسون ومرة مائتان، وفعلا شتت الرسول صلى الله عليه وسلم شملهم. وكان من خطته صلى الله عليه وسلم حين يذهب إلى قوم كان يبلغه أنهم يريدون أن يتآمروا لغزو المدينة أن يظل في بلدهم وفي معسكرهم وقتا ليس بالقليل. كل ذلك سبق غزوة أحد. وبعد ذلك تجمعوا ليجيئوا لغزوة أحد، وكان ما كان، والآيات التي تعالج هذه الغزوة فيها إيحاءات بما جاء في المعركة، فالرسول صلى الله عليه وسلم بوأ للمقاتلين مقاعد للقتال، وأمرهم بالثبات في تلك المواقع لكن بعضا من المقاتلين ترك مكانه، والبعض الآخر هم بالانسحاب، لكنه ثبت أخيرا، وفر كفار قريش. وقد تجلت في هذه المعركة آيات الله الكبيرة. فحين نصر الله سبحانه وتعالى المسلمين " ببدر " وهم قلة، لم يخرجوا لمعركة وإنما خرجوا لمصادرة عير. وربما ظن أناس أنهم بمجرد نسبتهم إلى الله وإلى الإسلام سينصرون على هذه الوتيرة، ويتركون الأسباب فأراد الله أن يعلمهم أنه لابد من استنفاد الأسباب، إعدادا لعدة ولعدد، وطاعة لتوجيه قائد. فلما خالفوا كان ولابد أن يكون ما كان. والمخالفة لم تنشأ إلا بعد استهلال بالنصر، ولذلك سيجيء فيما بعد ستون آية حول هذه الغزوة لتبين لنا مناط العبرة في كل أطوارها لنستخرج منها العظة والدرس. ونعلم أن المنتصرين عادة يكون الجو معهم رخاء. ولكن الكلام هنا عن هزيمة من لا يأخذون بأسباب الله، وهذا أمر يحتاج إلى وقفة، فجاء القرآن هنا ليقص علينا طرفا من الغزوة لنستخرج منها العبرة والعظة، العبرة الأولى: أنهم حينما خرجوا، تخلف المنافقون بقيادة ابن أبي، إذن فالمعركة إنما جاءت لتمحص المؤمنين. والتمحيص يأتي في الشيء الواحد، أما التمييز فيأتي في شيئين: هذا مؤمن، وهذا كافر، إنما التمحيص يأتي للمؤمن ويعركه عركا، ويبين منه مقدار ما هو عليه من الثبات ومن اليقين، والحق إنما يمحص الفئة المؤمنة لأنها ستكون مأمونة في التاريخ كله إلى أن تقوم الساعة على حماية هذه العقيدة، فلا يمكن أن يتولى هذا الأمر إلا أناس لهم قلوب ثابتة، وجأش قوي عند الشدائد، وهمة دونها زخارف الدنيا كلها. وبعد ذلك يعالج النفس البشرية في أوضاعها البشرية، فعقائد الإيمان لا تنصب في قلوب المسلمين بمجرد إعلان الإيمان، ولكن كل مناسبة تعطي دفعة من العقيدة يتكون بعد ذلك الأمر العقدي كله.. ولذلك يبين لنا الحق أن طائفتين من المؤمنين قد همت بالتراجع، فهم نفوس بشرية، ولكن أنفذت الطائفتان ذلك الهم أم رجعت وفاءت إلى أمر الله؟ لقد رجعت الطائفتان.