تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.4

ويأتي القول الفصل في: ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ [آل عمران: 4]. هنا الجمع بين " نزل " و " أنزل ". وساعة يقول الحق عن القرآن:

مصدقا لما بين يديه

[آل عمران: 3] فمعنى ذلك أن القرآن يوضح المتجه إنه مصدق لما قبله ولما سبقه، إنه مصدق للقضايا العقدية الإيمانية التي لا يختلف فيها دين عن دين لأن الديانات إن اختلفت فإنما تختلف في بعض الأحكام، فهناك حكم يناسب زمنا وحكم آخر لا يناسب ذلك الزمن. أما العقائد فهي لا تتغير ولا تتبدل، وكذلك الأخبار وتاريخ الرسل، فليس في تلك الأمور تغيير. ومعنى " مصدق " أي أن يطابق الخبر الواقع، وهذا ما نسميه " الصدق ". وإن لم يطابق الخبر الواقع فإننا نسميه " كذبا ". إذن، فالواقع هو الذي يحكم. ولذلك قلنا من قبل: إن الصادق هو الذي لا تختلف روايته للأحداث لأنه يستوحي واقعا، وكلما روى الحادثة فإنه يرويها نفسها بكلماتها وتفاصيلها، أما الكاذب فلا يوجد له واقع يحكي عنه، لذلك ينشئ في كل حديث واقعا جديدا، ولذلك يقول الناس: " إن كنت كذوبا فكن ذكورا ". أي إن كنت تكذب - والعياذ بالله - فتذكر ما قلت حتى لا تناقضه بعد ذلك. فالصادق هو من يستقرئ الواقع، وما دام يروي عن صدق فهو يروي عن أمر ثابت لا تلويه الأهواء، فلا يحكي مرة بهوى، ومرة بهوى آخر. وما دام الخبر صادقا فإنه يصبح حقا لأن الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير وسبحانه يقول هنا: ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس ﴾ [آل عمران: 3-4]. وقد تكلمنا من قبل عن التوراة، وقلنا: إن بعضا من العلماء حين يتعرض للفظ من الألفاظ فهو يحاول أن يجعله من اللغة العربية، ويحاول أن يعثر له على وزن من الأوزان العربية، وأن يأتي له بصفة من الصفات العربية، فقال بعضهم من التوراة: إنها من " الورى " - بسكون الراء - وكان الناس قديما يشعلون النار بضرب عود في عود آخر، ويقولون: " الزند قد ورى " ، أي قد خرجت ناره. وقال بعض العلماء أيضا: إن الإنجيل من " النجل " ، وهو الزيادة. وأقول لهؤلاء العلماء: لقد نظرتم إلى هذه الألفاظ على أنها ألفاظ عربية، لكن التوراة لفظ عبري، والإنجيل لفظ سرياني أو لفظ يوناني، وصارت تلك الكلمات علما على تلك الكتب وجاءت إلى لغتنا. ولا تظنوا أن القرآن ما دام قد نزل عربيا فكل ألفاظه عربية، لا. صحيح أن القرآن عربي، وصحيح أيضا أنه قد جاء وهذه الألفاظ دائرة على لسان العرب، وإذا تم النطق بها يفهم معناها.

والمثال على ذلك أننا في العصر الحديث أدخلنا في اللغة كلمة " بنك " وتكلمنا بها، فأصبحت عربية لأنها تدور على اللسان العربي، فمعنى أن القرآن عربي أن الله حينما خاطب العرب خاطبهم بألفاظ يفهمونها، وهي دائرة في ألسنتهم، وإن لم تكن في أصلها عربية. وحينما تكلم الحق عن التوراة والإنجيل وقال: إن القرآن جاء مصدقا لهما قال - جل شأنه -: ﴿ من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام ﴾ [آل عمران: 4]. فأي ناس هؤلاء الذين قال عنهم: ﴿ هدى للناس ﴾ [آل عمران: 4]؟ لا شك أنهم الناس الذين عاصروا الدعوة لتلك الكتب. وإذا كان القرآن قد جاء مصدقا لما في التوراة والإنجيل ألا تكون هذه الكتب هداية لنا أيضا؟ نعم هي هداية لنا، ولكن الهداية إنما تكون بتصديق القرآن لهما، حتى لا يكون كل ما جاء فيهما ومنسوبا إليهما حجة علينا. فالذي يصدقه القرآن هو الحجة علينا، فيكون ﴿ هدى للناس ﴾ [آل عمران: 4] معناها: الذين عاصروا هذه الديانات وهذه الكتب ، ونحن مؤمنون بما فيها بتصديق القرآن لها. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ [آل عمران: 4] يدل على أن الكتاب - أي القرآن - سيعاصر مهمة صعبة فكلمة " الفرقان " لا تأتي إلا في وجود معركة، ونريد أن نفرق بين أمرين: هدى وضلال، حق وباطل، شقاء وسعادة، استقامة وانحراف، إذن فكلمة " الفرقان " تدل على أن القرآن إنما جاء ليباشر مهمة صعبة وهو أنه يفرق بين الخير والشر، وما دام يفرق بين الخير والشر إذن ففيه خير وله معسكر، وفيه شر وله معسكر، إذن ففيه فريقان. ويأتي للفريق الذي يدافع عن الحق نضالا وجهادا بما يفرق له ويميز به بين الحق والباطل ويختم الحق هذه الآية بقوله: ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام ﴾ [آل عمران: 4]. ولماذا جاء هذا التذييل على هذه الصورة في هذه الآية؟ أي ما دام القرآن فرقانا فلابد أن يفرق بين حق وباطل، والحق له جنوده، وهم المؤمنون، والباطل له جنوده وهم الكافرون، والشر قد جاء من الكافرين فلابد أن يتكلم عن الذين كفروا ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ﴾ [آل عمران: 4]. والعذاب إيلام، ويختلف قوة وضعفا باعتبار المؤلم المباشر للعذاب. فصفعة طفل غير صفعة شاب غير صفعة رجل قوي، كل واحد يوجه الصفعة بما يناسب قوته، فإذا كان العذاب صادرا من قوة القوي وهو الله، إذن فلابد أنه عذاب لا يطاق. ﴿ لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام ﴾ [آل عمران: 4] أي لا يغلب على أمره، ولا توجد قوة أخرى ضده، وانتقامه لن يستطيع أحد أن يرده.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢١