3.45
لقد كانت المرحلة الأولى بالنسبة لإعداد مريم هي قوله الحق على لسانها:
إن الله يرزق من يشآء بغير حساب
[آل عمران: 37]. وبذلك تعرفت على طلاقة قدرة الله، والمرحلة الثانية هي سماعها لحكاية زكريا ويحيى وتأكيد الحق لها أنه اصطفاها على نساء العالمين، وفي ذلك أمر يتعلق بالنساء، وكان ذلك إيناسا من الحق لها، وتدخل مريم إلى مرحلة جديدة. ﴿ إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه.. ﴾ [آل عمران: 45]. والبشارة لا تكون إلا بخبر عظيم مفرح، وقد يتساءل البعض؟ ماذا يقصد الحق بقوله: " كلمة منه "؟ والإجابة هي: أن الحق سبحانه وتعالى يزاول سلطانه في ملكه بالكلمة، لا بالعلاج، فالحق سبحانه علمنا ذلك بقوله:
الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون
[آل عمران: 47]. وهذا القول هو مجرد إيضاح لنا وتقريب لأنه لا يوجد عندنا أقصر في الأمر من كلمة " كن " إن قدرته قادرة بطلاقتها أن تسبق نطقنا بالكاف وهي الحرف الأول من " كن " ، ولكن الحق يوضح لنا بأقصر أمر على طريقة البشر، إن الحق سبحانه وتعالى إذا أراد أمرا فإنه يقول له كن فيكون، وذلك إيضاح أن مجرد الإرادة الإلهية لأمر ما تجعله ينشأ على الفور، و " كن " هي مجرد إظهار الأمر للخلق، هكذا نفهم معنى بشارة الحق لمريم ب " كلمة منه " ويقول الحق: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ [آل عمران: 45]. إنها ثلاثة أسماء، " المسيح " ، " عيسى " ، " ابن مريم ". ما معنى المسيح؟ قد يكون الممسوح من الذنوب، أو أن تكون من آياته أن يمسح على المريض فيبرأ، أو المسيح المبارك.. أما عيسى. فهذا هو الاسم، والمسيح هو اللقب، وابن مريم هي الكنية.. ونحن نعرف أن العلم في اللغة العربية يأتي على ثلاثة أنواع: اسم أو لقب أو كنية. وابن مالك يقول: " واسما أتى وكنية ولقبا " إن العلم على الشخص له ثلاث حالات. إما اسم وهو ما يطلق على المسمى أولا. والاسم الثاني الذي أطلقناه عليه. إن كان يشعر برفعة صاحبه أو بضعته نسميه لقبا. أما ما كان فيه أب أو أم فيقال له: " كنية " وجاءت الثلاثة في عيسى ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ [آل عمران: 45]. " المسيح " هو اللقب، " عيسى " هو الاسم و " ابن مريم " وهو الكنية. ومجيء عيسى باللقب والاسم والكنية ستكون لها حكمة تظهر لنا من بعد ذلك. ويقول عنه الحق: ﴿ وجيها في الدنيا والآخرة ﴾ [آل عمران: 45].
ونحن في حياتنا نستعمل كلمة فلان وجيه من وجهاء القوم، والوجيه هو الذي لا يرده مسئول للكرامة في وجهه، ونحن نسمع في حياتنا اليومية. فلان لا يصح أن نسبب له الخجل برفض أي طلب له. وكما يقول العامة: هو الوجه ده حد يكسفه إذن فالوجيه هو الذي يأخذ سمة وتميزا بحيث يستحي الناس أن يردوه إذا كان طالبا، وهناك إنسان آخر قد يسألك أو يسأل الناس، فلا يبالي به أحد، إنه يريق ماء وجهه وتنتهي المسألة. إذن فقوله الحق في وصف عيسى بن مريم: ﴿ وجيها في الدنيا والآخرة ﴾ [آل عمران: 45] أي أن أحدا لا يرده إن سأله. لكرم وجهه، فالإنسان يخجل أن يرد صاحب مثل هذه الكرامة، لذلك نجد أن السائل قد يقول: أعطني لوجه الله. أي أنه يقول لك: لا تنظر إلى وجهي، ولكن انظر إلى وجه الله لأن الله هو الذي جاء بي إلى الدنيا وخلقني، وما دام قد جاء بي الخالق إلى الدنيا فهو المتكفل برزقي، فأنت حينما تعين على رزق من استدعاه الله إلى الوجود تكون قد أعطيت لوجه الله، إنه الخالق الذي يرزق كل مخلوق له حتى الكافر. إذن فعطاء الإنسان للسائل ليس عطاء لوجه السائل، ولكنه عطاء لوجه الله. والحق يقول عن عيسى بن مريم: ﴿ وجيها في الدنيا والآخرة ﴾ [آل عمران: 45] وعرفنا كيف يكون الإنسان وجيها في الدنيا، فلماذا نص الحق على وجاهة عيسى في الآخرة؟ وخصوصا أن كل وجوه المؤمنين ستكون ناضرة، لقد نص الحق على وجاهة عيسى في الآخرة لأنه سوف يسأل سؤالا يتعلق بالقمة الإيمانية: