3.20
﴿ فإن حآجوك ﴾ [آل عمران: 20] هذا القول يدل على أن الحق سبحانه وتعالى يلقي منهجه على الرسول الخاتم، ويعطيه الواقع الذي يحيا فيه، لقد جابه الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة معسكرات. المعسكر الأول: هم مشركو قريش، وكان كفرهم في القمة. والمعسكر الثاني: هو معسكر اليهود والنصارى ويجمعهم معا لأنهم أهل كتاب. والمعسكر الثالث: هو معسكر المنافقين. والمحاجة قد أتت من المعسكر الثاني، لأن كفار قريش لم يدعوا أن عندهم دينا قد نزل من السماء، أما أهل الكتاب فهم يدعون أن عندهم دينا منزلا من السماء، وعندما يناطح الشرك دينا فهذا أمر معقول، أما أن يناطح أهل دين نزل من السماء رسولا جاء بدين خاتم من السماء فهذا أمر يستحق أن نتوقف عنده. ومعنى ﴿ فإن حآجوك ﴾ [آل عمران: 20] أي أنهم يحاججون الرسول صلى الله عليه وسلم وتم إدغام الحرفين المتشابهين وهما حرفا " الجيم " حتى لا تصبح ثقيلة على اللسان. ومعنى المحاجة: أن يدلي كل واحد من الخصمين بحجته. وهذا يعني النقاش، وما دام هناك نقاش بين حق وبين باطل، فإن الله لا يترك الرسول صلى الله عليه وسلم، بل يقول له: ﴿ فإن حآجوك ﴾ [آل عمران: 20] أي إن ناقشوك في أمر الإسلام الذي جئت به كدين خاتم مناقض لوثنية أو شرك قريش ومناقض لما قام أهل الكتاب بتغييره من مراد الله فقل يا محمد: ﴿ أسلمت وجهي لله ﴾ [آل عمران: 20] وقد قلنا من قبل: إننا عندما نسمع قول الحق " فقل " كان من الجائز أن يكتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقول القول وضربنا مثلا على ذلك، حين يقول الأب لابنه: اذهب إلى عمك وقل له: كذا وكذا. وساعة أن يذهب الابن إلى العم فيقول له: الأمر كذا، وكذا. إن الابن لا يقول لعمه: قل لعمك كذا وكذا.. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حافظ على النص الذي جاءه من ربه لأن النص واضح. ﴿ فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله ﴾ [آل عمران: 20] فهل هذا رد بالحجة؟ نعم هذا هو الرد، لأن أهل الكتاب وكفار قريش يأتي فيهم القول:
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم
[الزخرف: 9]. ويأتي فيهم القول الحكيم:
ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون
[الزخرف: 87]. والكون كما نعرف " مكان " و " مكين " فالمكان: هو السماء والأرض. والمكين وهو الإنسان. والمكان مخلوق لله، والمكين مخلوق لله. وكان المنطق أن نسلم وجهنا لمن خلق. إذن فقول الحق: ﴿ فقل أسلمت وجهي لله ﴾ [آل عمران: 20] أي انتبهوا أيها الناس، إنني لم أخرج عن دائرة الإيمان بالإله الواحد، الذي تؤمنون به.
إنه هو الذي خلق وهو الذي أوجد الكون. وبعد ذلك إذا كان في الإسلام خضوع، فإن الحق يأتي بأشرف شيء في الإنسان ليجعله مظهر الخضوع. لأن الوجه هو السمة العالية المميزة، وهو الذي يظهر عليه انفعالات الأحداث في الكون من سرور أو حزن، ويظهر عليه أنك قد تكون قد سجدت وأنت كاره للسجود، أو سجدت وأنت مقرب لله سبحانه وتعالى فيمتلئ الوجه بالبشر والبشاشة. وقول الحق: ﴿ أسلمت وجهي لله ﴾ [آل عمران: 20]. تعني أن الوجه المسلم لله وهو أشرف شيء في الإنسان قد خضع للحق، وكأن القول الكريم لم ينسب الخضوع للبدن ولكن لأشرف شيء في الإنسان وهو الوجه، والوجه يطلق مرة ويراد به الذات كلها، فعندما يقول إنسان: " أسلمت وجهي " فهو يعني " أسلمت ذاتي " بكل ما أوتيت الذات من جوارح ومن أعضاء، ولنقرأ قول الحق سبحانه:
كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون
[القصص: 88]. أي كل شيء هالك إلا ذاته سبحانه وتعالى، وهذا هو المقصود ب " إلا وجهه " وإلا إن أخذنا الوجه على أنه الوجه فقط فقد يقول قائل: أليس لله يد مثلا؟ ونقول إن له يدا في نطاق ليس كمثله شيء، ولذلك فلا يد الله تهلك ولا أي شيء فيه يهلك، ووجهه يعني ذاته في نطاق ليس كمثله شيء. وأطلق الوجه على الذات، لأن الوجه هو المشخص للذات، فلا يستطيع أحد أن يميز أعضاء بدن عن أعضاء بدن، إنما التمييز يأتي بسمة الوجه، لأنها السمة المميزة، وقول الحق في تلقينه لرسول الله: ﴿ فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ﴾ [آل عمران: 20]. تدل على أن الرسول قد أسلم وجهه لله لأن الله خاطبه بوساطة الوحي، والوحي يباشره صلى الله عليه وسلم، ولكن حين يقول: ﴿ ومن اتبعن ﴾ [آل عمران: 20] فقد قام الدليل لمن اتبعني، وإن لم يكن مخاطبا من الله مباشرة. إذن فلا مجال لأن يقول قائل للرسول صلى الله عليه وسلم: أنت أسلمت وجهك لله لأنه خاطبك وحدك، وكأن صاحب هذا القول يريد خطابا لكل مؤمن، قال سبحانه: ﴿ ومن اتبعن ﴾ [آل عمران: 20] فمن اتبع الرسول فقد آمن بأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو رسول صدق مبلغ عن الله منهج حق، فلا مجال لطلب البلاغ لكل فرد لأن البلاغ قد وصل إليهم بالإيمان بما أنزله الله على رسوله الكريم ويأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ﴾ [آل عمران: 20]. وساعة تقرأ أو تسمع أسلوبا فيه " همزة الاستفهام " فلك أن تعرف أن الاستفهام يطلب منه أن تعرف الحقيقة، كقول إنسان لآخر: أعندك محمد؟ أو أزارك فلان؟ إن هذا استفهام المراد به فهم الحقيقة، ومرة يريد الاستفهام مجرد الأمر بشيء، كأن يأتيك ضيف وتجلس معه ويدخل عليك والدك فيقول لك: أصنعت قهوة لضيفك؟ إن ذلك توجيه لك إن كنت لم تقم بواجب الضيافة فعليك أن تسرع في القيام بهذا الواجب.