3.139
والمقصود بقوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ [آل عمران: 139] أي لا تضعفوا، وهي أمر خاص بالمسألة البدنية لأن الجراحات أنهكت الكثيرين في موقعة أحد لدرجة أن بعضهم أقعد، ولدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقدر أن يصعد الجبل، وحمله طلحة بن عبيد الله على ظهره ليقوم، لذلك قال الحق: ﴿ ولا تهنوا ﴾ [آل عمران: 139]، لأنك عندما تستحضر أنك مؤمن وأن الله لن يخلي بينك وبين جنود الباطل لأنك نصير للحق، والحق من الله وهو الحق لا يسلم نبيه وقومه لأعدائهم، فيوم تأتي لك هذه المعاني إياك أن تضعف. والضعف هو نقصان قوة البدن. ﴿ ولا تحزنوا ﴾ [آل عمران: 139] والحزن مواجيد قلبية، وهم قد حزنوا فقد مات منهم كثير. مات منهم خمسة وسبعون شهيدا، خمسة من المهاجرين، وسبعون من الأنصار، وهذه عملية صعبة وشاقة، وقد حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الشهداء، وغضب لمقتل حمزة - رضي الله عنه - وقال: " لن أصاب بمثلك أبدا! وما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا " ثم قال: " لئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم مكانك ". فقال الحق: ﴿ ولا تحزنوا ﴾ [آل عمران: 139] لماذا؟ لأنك يجب أن تقارن الحدث بالغاية من الحدث. صحيح أن القتل صعب وإزهاق للنفس، ولكن انظر إلى أين ذهب. وانظر ماذا خلف من بعده. أما هو فقد ذهب إلى حياة عند ربه وهي ليست كالحياة عندكم. إن الحياة عندنا لها مقاييس، والحياة عند ربنا لها مقاييس، فهل مقاييسنا أعلى من مقاييسه؟ لا، حاشا لله. إذن فإذا نظرت إليه هو فاعلم أنه ذهب لخير مما ترك، فلا تحزن عليه بل تفرح له لأنه ما دامت الغاية ستصل إلى هذه المسألة. إذن فقد قصر له مسافة الحياة، وما دامت الغاية أن يصل إلى رحمة الله وإلى حياة عند الله بكافة معانيها، فهو سعيد بجوار ربه، ونحن في الغايات الدنيوية عندما نريد أن نذهب إلى مكان نسر ممن يعجل لنا الزمن لنصل إلى هذا المكان. فبدلا من أن أذهب إلى الإسكندرية ماشيا أذهب راكبا حصانا أو أذهب راكبا سيارة، والمترفه يذهب راكبا طائرة، فإذا كانت الغاية مرجوة ومحببة إلى النفس، وبعد ذلك يجيء لك حدث يقرب لك المسافة من الغاية، فلماذا تحزن إذن؟ لقد استشهد. إياك أن تقول: إن الله حرمني قوته في نصرة الحق، لا. هو أعطى قوة أخرى لكثير من خلقه نصر بهم الحق، إنك عندما تعرف أن إنسانا باع نفسه لله، لا بد أن تعرف أن الغاية عظيمة ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم في معركة بدر، يقدم أهله لأنه يعرف أنه إن قتل واحد منهم إلى أين سيذهب، إذن فهو يحب أهله، لكنه يحبهم الحب الكبير، والناس تحب أهلها هنا أيضا لكن الحب الدنيوي.
﴿ ولا تحزنوا ﴾ [آل عمران: 139] على ما فاتكم من الغنائم أو لا تحزنوا على ما فاتكم من النصر لماذا؟ وتأتي الإجابة، ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ [آل عمران: 139].. ولذلك جاء مصداق ذلك حينما نادى أبو سفيان فقال: " اعل هبل " أي أن إلههم صار عاليا، فقال الرسول لأصحابه: ألا تردون عليهم؟ قالوا: بماذا نرد قال: قولوا لهم: الله أعلى وأجل فقال أبو سفيان: " لنا العزى ولا عزى لكم " ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أجيبوه " قالوا: ما نقول؟ قال: " قولوا الله مولانا ولا مولى لكم " ثم قال أبو سفيان: إن موعدكم " بدر " العام المقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: " قل نعم هو بيننا وبينك موعد ". ف ﴿ وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴾ [آل عمران: 139] فما دمتم على الإيمان فأنتم الأعلون، وإذا أردتم أن تعرفوا معنى " الأعلون " حقا، فقارنوا معركة " أحد " بمعركة " بدر " ، هم قتلوا منكم في أحد، وأنتم قتلتم منهم في بدر. ولكنكم أسرتم منهم في بدر، ولم يأسروا منكم أحدا في " أحد ". وأنتم غنمتم في بدر، ولم يغنموا شيئا في أحد. وأنتم الأعلون لأن الله حمى مدينتكم مع أنه لا حامية فيها ممن يكون فيه معنى الجندية. كل ذلك وأنتم الأعلون، هذا إذا نظرنا إلى معركة بمعركة. وإن نظرنا إلى المعركة نفسها " أحد " وندع بدرا وحدها، في ظل قوله تعالى: ﴿ وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴾ [آل عمران: 139] لقد ثبتت تلك القضية لأنكم حينما كنتم مؤمنين - ومن شرط الإيمان اتباع أمر الذي لا ينطق عن الهوى - انتصرتم. وانتصرتم انتصارا رائعا لأنكم قتلتم في أول جولة للحرب بضعا وعشرين من صناديدهم وفيهم صاحب الراية. ولكنكم حينما خالفتم أمرالنبي صلى الله عليه وسلم، تلخلخ الإيمان في قلوبكم. إذن فالعملية التي حدثت تؤكد صدق ﴿ وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴾ [آل عمران: 139]. فأنتم علوتم في أول الأمر، وعندما خالفتم الأمر صار لكم ما صار فقد صدقت القضية في قول الله: ﴿ وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴾ [آل عمران: 139]. وأيضا فإنكم لو نظرتم إلى المعركة نفسها لوجدتم أن عدوكم لم يبق في أرض المعركة، بل أنتم الذين بقيتم في موضع المعركة. وأين ذهب هو؟ أذهب إلى موقع آخر ينال فيه غلبة ونصرا؟ لم يكن هناك إلا المدينة، والمدينة ليس فيها أحد، ولم يذهب عدوكم إلى هناك، وإنما ذهب ناحية مكة، إذن فهو الذي هرب.