إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون * فأصبحت كالصريم
[القلم: 17-20]. لقد جزاهم الله بظلمهم، ولكن ألا نرى رجلا لم يظلم نفسه وتصيب زراعته كارثة؟ إننا نرى ذلك في الحياة، والرجل الذي لم يظلم نفسه وتصيب زراعته كارثة، ويصبر على كارثته، يأخذ الجزاء والثواب من الله، ولعل الله قد أهلك بها مالا كانت الغفلة قد أدخلته في ماله من طريق غير مشروع. هكذا تكون الكارثة بالنسبة للمؤمن لها ثواب وجزاء، أو تكون تطهيرا للمال. أما الذي ينفق على غير نية الله وهو كافر، فلا ثواب له. ويذيل الحق الآية بقوله ﴿ وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ﴾ [آل عمران: 117] فهو سبحانه لم يظلم الكافرين حين جعل نفقتهم بدون جدوى ولا حصيلة لها عنده، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم، لأنهم أنفقوا النفقة على غير هيئة القبول، وهم الذين صنعوا ذلك عندما ظلموا أنفسهم بالكفر فحبطت أعمالهم، وتلك هي عدالة الحق سبحانه وتعالى: ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم... ﴾.
3.118
حين يخاطب الله المؤمنين ويناديهم بقوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ [آل عمران: 118] فلتعلم أن ما يجيء بعد ذلك هو تكليف من الحق سبحانه. فساعة ينادي الحق المؤمنين به، فإنه ينادي ليكلف، وهو سبحانه لا يكلف إلا من آمن به، أما حين يدعو غير المؤمن به إلى رحاب الإيمان، فإنه يثير فيه القدرة على التفكير، فيقول له: فكر في السماء، فكر في الأرض، فكر في مظاهر الكون، حتى تؤمن أن للكون إلها واحدا. فإذا آمن الإنسان بالإله الواحد، فإن الحق سبحانه وتعالى يقول له ما دمت قد آمنت بالإله الواحد، فتلق عن الإله الحكم. إن الحق حين يقول: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ [آل عمران: 118] فهو سبحانه يخاطب بالتكليف المؤمنين به، وهو لا يكلف ب " افعل " و " لا تفعل " إلا من آمن، أما من لم يؤمن فيناديه الله ليدخل في حظيرة الإيمان:
ياأيها الناس اعبدوا ربكم
[البقرة: 21] فإذا ما دخل الإنسان في حظيرة الإيمان فالحق سبحانه وتعالى يكرم هذا المؤمن بالتكليف ب " افعل " و " لا تفعل " وما دام العبد قد آمن بالإله القادر الحكيم الخالق، القيوم، فليسمع من الإله ما يصلح حياته. ويجيء في بعض الأحيان ما ظاهره أن الله ينادي مؤمنا به، ثم يأمره بالإيمان كقول الحق: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ [آل عمران: 118]. ويتساءل الإنسان كيف ينادي الله مؤمنا به، ثم يأمره بالإيمان؟ وهنا نرى أن المطلوب من كل مؤمن أن يؤدي أفعال الإيمان دائما ويضيف لها ليستمر ركب الإيمان قويا، فالحق حين يطلب من المؤمن أمرا موجودا فيه فلنعلم أن الله يريد من المؤمن الاستدامة على هذا اللون من السلوك الذي يحبه الله، وكأن الحق حين يقول: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ [آل عمران: 118] إنما يحمل هذا القول الكريم أمرا بالاستدامة على الإيمان، لأن البشر من الأغيار. ونحن نعرف أن الله أفسح بالاختيار مجالا لقوم آمنوا فارتدوا، فليس الأمر مجرد إعلان الإيمان ثم تنتهي المسألة، لا، إن المطلوب هو استدامة الإيمان. وحين نقرأ قول الحق: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ [آل عمران: 118] فلنفهم أن هناك تكليفا جديدا، وما دام في الأمر تكليف فعنصر الاختيار موجود، إذن فحيثية كل حكم تكليفي من الله له مقدمة هي: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ [آل عمران: 118] ولا تبحث أيها المؤمن في علة الحكم، وتسأل: لماذا كلفتني يارب بهذا الأمر؟ فليس من حقك أيها المؤمن أن تسأل: " لماذا " ما دمت قد آمنت فالحق سبحانه لم يكلف إلا من آمن به، فإذا كنت - أيها المؤمن - قد آمنت بأنه إله صادق قادر حكيم فأمن الله على نفسك، ونفذ مطلوب الله ب " افعل " و " لا تفعل " سواء فهمت العلة أم لم تفهمها.