3.131
إذن ففيه مسألتان: سلب لمضرة، وإيجاب منفعة، إنه يوجب لك منفعة الفلاح ويسلب منك مضرة النار. ولذلك يقول تعالى:
فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز
[آل عمران: 185]. لأنه إذا زحزح عن النار ولم يعد في نار ولا في جنة فهذا حسن، فما بالك إذا زحزح عن النار وأدخل الجنة؟ إن هذا هو الفوز الكبير، وهذا السبب في أن ربنا سبحانه وتعالى ساعة السير على الصراط سيرينا النار ونمر عليها، لماذا؟ كي نعرف كيف نجانا الإيمان من هذه، وما الوسيلة كي نفلح ونتقي النار؟ إن الوسيلة هي اتباع منهج الله الذي جاء به على لسان رسوله: ﴿ وأطيعوا الله والرسول... ﴾.
3.132
و " الرحمة " تتجلى في ألا يوقعك في المتعبة، أما الشفاء فهو أن تقع في المتعبة ثم تزول عنك، لذلك فنحن إذا ما أخذنا المنهج من البدء فسنأخذ الرحمة.
وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة..
[الإسراء: 82]. إن الشفاء هو إزالة للذنب الذي تورطنا فيه ويكون القرآن علاجا، والرحمة تتجلى إذا ما أخذنا المنهج في البداية فلا تأتي لنا أية متاعب. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات... ﴾.
3.133
والسرعة - كما عرفنا - مقابلها العجلة، إن السرعة هي: التقدم فيما ينبغي، ومعنى أن تتقدم فيما ينبغي: أنك تجعل الحدث يأخذ زمنا أقل، والمثال على ذلك عندما يسرع الإنسان بسيارته من القاهرة إلى الإسكندرية فهو يحاول أن يقطع المائتين والعشرة كيلو مترات في زمن أقل، فبدلا من أن تأخذ منه ثلاث ساعات في السيارة فهو يسرع كي تأخذ منه ساعتين. إذن فالسرعة هي: التقدم فيما ينبغي، وهي محمودة، وضدها: الإبطاء. فالسرعة محمودة، والإبطاء مذموم. لكن " العجلة " تقدم فيما لا ينبغي، وهي مذمومة، مقابلها " التأني " ، والتأني ممدوح، إذن فالسرعة محمودة، ومقابلها الإبطاء مذموم، والعجلة مذمومة، ومقابلها التأني ممدوح، والمثل الشعبي يقول: في التأني السلامة وفي العجلة الندامة. إن الحق يقول: ﴿ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ﴾ [آل عمران: 133] أي: خذوا المغفرة وخذوا الجنة بسرعة، لأنك لا تعرف كم ستبقى في الدنيا، إياك أن تؤجل عملا من أعمال الدين أو عملا من أعمال الخير لأنك لا تعرف أتبقى له أم لا. فانتهز فرصة حياتك وخذ المغفرة وخذ الجنة، هذا هو المعنى الذي يأتي فيه الأثر الشائع " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ". الناس تفهمها فهما يؤدي مطلوباتهم النفسية بمعنى: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا: يعني اجمع الكثير من الدنيا كي يكفيك حتى يوم القيامة، وليس هذا فهما صحيحا لكن الصحيح هو أن ما فاتك من أمر الدنيا اليوم فاعتبر أنك ستعيش طويلا وتأخذه غدا، أما أمر الآخرة فعليك أن تعجل به. ﴿ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ﴾ [آل عمران: 133] ونحن نعرف أن المساحات لها طول وعرض، لأن الذي طوله كعرضه يكون مربعا، إنما الذي عرضه أقل من طوله فنحن نسميه " مستطيلا " ، وحين يقول الحق ﴿ عرضها السماوات والأرض ﴾ [آل عمران: 133] نعرف أن العرض هو أقل البعدين، أي أنها أوسع مما نراه، فكأنه شبه البعد الأقل في الجنة بأوسع البعد لما نعرفه وهو السماوات والأرض ملتصقة مع بعضها بعضا فأعطانا أوسع مما نراه. فإذا كان عرضها أوسع مما نعرف فما طولها؟ أنه حد لا نعرفه نحن. قد يقول قائل لماذا بين عرضها فقال: ﴿ عرضها السماوات والأرض ﴾ [آل عمران: 133]. فأين طولها إذن؟ ونقول: وهل السماوات والأرض هي الكون فقط؟ إنه سبحانه يقول:
وسع كرسيه السماوات والأرض..
[البقرة: 255]. ويقول صلى الله عليه وسلم:
" ما السماوات والأرض وما بينهما إلا كحلقة ألقاها ملك في فلاة ".
أليست هذه من ملك الله؟ وهكذا نرى أن هذه الجنة قد أعدت للمتقين، ومعنى " أعدت " أي هيئت وصنعت وانتهت المسألة! يؤكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: