تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.165

لماذا تقولون: كيف يهزمنا الكفار؟ لقد حدث لكم ذلك لأنكم خالفتم الرسول الذي من ربكم به عليكم، وآتاكم، وزكاكم، ويعلمكم الكتاب والحكمة، كان مقتضى ذلك أن كل ما يقوله الرسول الذي هو بهذه المواصفات أن تطيعوه، ولا يقولن أحدكم: لماذا تحدث هذه الهزيمة؟ ولا يقولن أحد لماذا حكاية أحد وكيف يهزمنا الكفار؟ إن هذا لا ينسجم مع ما قيل من أن الله من عليكم وبعث فيكم رسولا، ثم إن أحدا ليست مصيبة بادئة، بل مصيبة جاءت بعدما أصبتم من أعدائكم مصيبة، ونلتم منهم ضعف ما نالوا منكم. فأنتم بدأتم ببدر وأعطاكم الله الخير. أنتم قتلتم سبعين وأسرتم سبعين، وهم قتلوا سبعين ولم يأسروا أحدا في " أحد " ، أنتم أخذتم غنائم في بدر، وهم لم يأخذوا أي غنيمة في أحد، ما العجيبة في هذه!! كان يجب أن تبحثوا في ذواتكم وفي نفوسكم، هل كنتم منطقيين مع إيمانكم ومع قيادة الرسول لكم!؟ أيكون منكم ذلك السؤال وهو " أنى هذا " ، لأن " أنى " معناها استنكار أن هذا يحدث أي من أين أصابنا هذا الانهزام والقتل ونحن نقاتل في سبيل الله وفينا النبي والوحي وهم مشركون ونقول لكم: وهل كنتم على مستوى الإيمان المطلوب؟ إن مستوى الإيمان المطلوب يقتضي منكم أن تنفذوا ما قاله الرسول، وأنتم لم تكونوا على هذا المستوى، الذي كنتم عليه في بدر. وساعة تسمع " أو لما " فهناك همزة الاستفهام ثم " واو عطف " ، " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا " ، و " لما " هنا هي الحينية، فماذا يكون المعنى، لقد آمنتم بالله إلها وآمنتم بالرسول مبلغا، أحين تصيبكم مصيبة قد أصبتم مثليها تقولون أنى هذا؟ كان المنطق ألا تسألوا هذا السؤال أبدا لأنكم آمنتم بإله عادل له سنن لا تتبدل ولا تتحول. أكان يترك السنن من أجلكم!؟

سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا

[الأحزاب: 62]. وفي موقع آخر من القرآن يقول سبحانه:

ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا

[فاطر: 43]. فلو أنكم استحضرتم الإيمان بالإله الذي أطلق السنن في الكون ليسوس به أمر ملكه بما يحقق أمر المصلحة لما قلتم هذا وما دمتم قد آمنتم بأن الإله هو الذي صنع تلك السنن فكان الواجب عليكم أن تعلموا أن الإله لن يجاملكم بإبطال سننه من أجل أنكم نسبتم إليه أولا بأنكم مسلمون، فإنكم إن خالفتم فسنن الله واقعة، وكان يجب أن تفهموا هذا الأمر، وكان يجب ألا تسألوا هذا السؤال، وقد آمنتم بالله إلها له سنن، وآمنتم بالرسول المبلغ عن الله.

أحين تصيبكم مصيبة مع هذا الإيمان قد أصبتم مثليها، تقولون: أنى هذا؟ أنتم حدث منكم أنكم أصبتم خصومكم، وياليتكم أصبتموهم بمثل ما أصابوكم به بل أنتم أصبتم مثليها، كان يجب أن تقارنوا: لماذا أصبتم مثليها من قبل، ولماذا أصبتم الآن؟ وكان يجب أن تعرضوا عملكم على الموازين الإيمانية فإن عرضتموه على الموازين الإيمانية لما سألتم هذا السؤال: " أنى هذا ".. وساعة تسمع " أنى هذا " فلها معنيان: إما أنها تأتي بمعنى كيف يحدث هذا؟ وإما بمعنى من أين يحدث هذا؟ فإن كانت لأعيان وتحب أن تعرف، مثلما أحب سيدنا زكريا أن يعرف: من أين يأتي الرزق لسيدتنا مريم وهي في المحراب:

كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب

[آل عمران: 37]. أي من أين؟ وتأتي مرة أخرى بمعنى " كيف ":

أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه

[البقرة: 259]. أي كيف يحيي؟ إذن فمرة تكون بمعنى " من أين " ، ومرة تكون بمعنى " كيف " ، والذين دخلوا معركة أحد كانوا ينكرون ويستعجبون لعدم انتصارهم.. فأوضح لهم الحق: لو كنتم مستحضرين قضية الإيمان بإله عادل وضع في كونه سننا وهو لن يغير سننه ولن يحولها من أجلكم أنتم، إن عليكم أن تعرفوا أن الله لا يتغير من أجل أحد، ولكن يجب أن تتغيروا أنتم من أجل الله. ﴿ أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ﴾ [آل عمران: 165]: و " لما " يعني: حين، واسمها: " لما الحينية " و " لما " تكون أيضا من أدوات وعوامل الجزم مثل: لم و " لم " تنفي، و " لما " أيضا تنفي مثل قوله الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٩٣