تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.112

ونحن نستخدم كلمة " ضرب " في النقود، عندما نقول: ضرب هذا الجنيه في مصر، ومعنى ذلك أن الصانع يقوم بصنع قالب من مادة أكثر صلابة، من المادة التي يصنع منها النقد ويرسم فيها الحفريات التي تبزر الكتاب والصور على وجهي الجنيه، ثم يصب المادة في ذلك القالب، وتخضع للقالب فتبرز الكتابة والصور، ولا تتأبى المادة على القالب. كأن " ضرب " معناها " ألزم " بالبناء للمجهول فيهما، وكأن المادة المصنوعة تلزم القالب الذي تصب فيه ولا تتأبى عليه ولا يمكن أن تتشكل إلا به. إذن فالضرب معناه الإلزام والقسر على الفعل. وعندما يقول الحق: ﴿ ضربت عليهم الذلة ﴾ [آل عمران: 112] أي لزمتهم الذلة لا يستطيعون الانفكاك عنها أبدا، كما لا يستطيع المعدن المضروب نقدا أن ينفك عن القالب الذي صك عليه، وكأن الذلة قبة ضربت عليهم، وقالب لهم، وقول الحق: ﴿ أين ما ثقفوا ﴾ [آل عمران: 112] تفيد أنهم أذلاء أينما وجدوا في أي مكان. ولكن هناك استثناء لذلك، ما هو؟ إنه قول الحق: ﴿ إلا بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ [آل عمران: 112] إنهم لا يعانون من الذلة في حالة وجود عهد من الله أو عهد من أناس أقوياء أن يقدموا لهم الحماية: فلما كانوا في عهد الله أولا وعهد رسوله ساعة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأعطاهم العهد، فكانوا آمنين، ولما خانوا العهد، ولم يوفوا به ماذا حدث؟ ضربت عليهم الذلة مرة أخرى. إذن لقد كانوا في عهد الله آمنين لكنهم خانوا العهد، وانقطع حبل الله عنهم، فهيجوا الهيجة التي عرفناها ونزل بهم ما نزل، وهو ما حدث لبني قينقاع ولبني النضير وبني قريظة ويهود خبير. إذن فهم قبل ذلك كانوا في عهد مع الله. وأنتم تعرفون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما نزل المدينة بني المسجد وعقد العهد بينه وبين اليهود وعاشوا في اطمئنان إلى أن خانوا العهد، فضربت عليهم الذلة. وطردوا من المدينة، كما يقول الحق: ﴿ ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ [آل عمران: 112]. لقد أخذوا العهد من الله من خلال من له الولاية على الناس، فالرسول في عهده كان قائما على أمر المسلمين، وكذلك يكون الأمر معهم في ظل القائمين على أمر الإسلام، ويحدث هذا عندما تسير الأمور بمنهج الإسلام. أما عن حبل الناس فذلك لأنهم لا يملكون أي عزة ذاتية، إنهم دائما في ذلة إلا أن يبتغوا العزة من جانب عهد وحبل من الله، أو من جانب حماية من الناس. ونحن نراهم على هذا الحال في حياتنا المعاصرة، لا بد لهم من العيش في كنف أحد لذلك فعندما حاربنا " إسرائيل " في حرب أكتوبر، انتصرنا عليهم إلى أن تدخلت أمريكا بثقلها العسكري.

فقال رئيس الدولة المصري: " لا جلد لي أن أحارب أمريكا ". إذن لو كانت الحرب بيننا وبينهم فقط لانتهت قوتهم فهم بلا عزة ذاتية، وتكون لهم عزة لو كانوا في جانب حبل من الله، أو حبل من الناس. يقول الحق سبحانه عنهم من بعد ذلك: ﴿ وبآءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ﴾ [آل عمران: 112] ولنا أن نلاحظ أن الذلة لها استثناء، فهم ينالون العزة لو كانوا بجانب حبل من الله أو حبل من الناس، أما المسكنة، فلا استثناء فيها، وقد قال الحق عنهم في موضع آخر في القرآن الكريم:

وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءو بغضب من الله..

[البقرة: 61]. لأن المسكنة أمر ذاتي في النفس، إنهم مساكين بأمر من الله، أما الذلة فقد يأتي لهم من ينصرهم ويقف بجانبهم فالذلة أمر من خارج، أما المسكنة فهي في ذاتيتهم، وعندما تكون المسكنة ذاتية، فلا إنقاذ لهم منها لأنه لا حبل من الله يأتيهم فينجيهم منها، ولا حبل من الناس يعصمهم من آثارها. ويقول الحق: ﴿ وبآءوا بغضب من الله ﴾ [آل عمران: 112] وهل رأى أحد منا غضبا أكبر من أن الحق قد قطعهم في الأرض؟ ولنقرأ قول الله:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧١١