تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الأحزاب: 35]. هكذا حسم الحق الأمر. قال سبحانه تأكيدا لذلك:

ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا

[النساء: 124]. إن الذكر والأنثى هنا يدخلان في وصف واحد هو " وهو مؤمن " إذن فعندما يأتي الأمر في المعنى العام الذي يطلب من الرجل والمرأة فهو يضمر المرأة في الرجل لأنها مبنية على الستر والحجاب، مطمورة فيه. داخلة معه.. فإذا قال الحق سبحانه لمريم: ﴿ واركعي مع الراكعين ﴾ [آل عمران: 43] فالركوع ليس خاصا بالمرأة حتى يقول " مع الراكعات " ولكنه أمر عام يشمل الرجل والمرأة، لذلك جاء الأمر لمريم بأن تركع مع الراكعين، وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك... ﴾.

3.44

وقد قلنا من قبل: إن كلمة " نبأ " ، لا تأتي إلا في الخبر العظيم. والغيب هو ما غاب عن الحس. وهناك " غياب عن الحس " من الممكن أن يدركه مثلك. وهناك غياب عن الحس لا يدركه مثلك. وقلنا من قبل: إن حجب الغيب ثلاثة: مرة يكون الحجاب في الزمن ماضيا، ومرة مستقبلا، ومرة ثالثة يكون الحجاب في المكان. لماذا؟ لأن ظروف الأحداث زمان ومكان. فإذا أنبأني منبئ بخبر مضى زمنه فهذا اختراق لحجاب الزمن الماضي، فالحدث يكون قد وقع من سنوات وصار ماضيا وإذا أخبرني به الآن فهذا يعني أنه اخترق حجاب الزمن الماضي، وإذا قال لي عن أمر سيحدث بعد سنتين من الآن فهذا اختراق حجاب الزمن المستقبل، وهب أنه أخبرك بنبأ معاصر لزمنك الآن نقول: هنا يوجد حجاب المكان، فعندما أكون معكم الآن لا أعرف ما الحادث في مدينة أخرى غير التي نحن بها، ورغم أن الزمن واحد. لذلك فعلينا أن نعرف، أنه مرة يكون الحجاب حجاب زمان.. أي قد يكون الزمن ماضيا، أو يكون الزمن مستقبلا، وقد يكون حجاب مكان. فإذا كان الله ينبئ رسوله بهذا النبأ فوسائل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث لأن وسيلة العلم بالنبأ أحد ثلاثة أمور: مشاهدة أو سماع أو قراءة. والوسيلة الأولى وهي مشاهدة النبأ يشترط أن يوجد في زمن هذا النبأ، والنبأ الذي أخبر الله به رسوله حدث من قبل بعث الرسول بما لا يقل عن ستة قرون. إذن فالمشاهدة كوسيلة علم بهذا النبأ لا تصلح، لأن النبأ قد حدث في الماضي. قد يقول قائل: لعل الرسول صلى الله عليه وسلم قد قرأها، أو سمعها وبإقرار خصوم محمد صلى الله عليه وسلم أنه ليس بقارئ، فامتنعت هذه الوسيلة أيضا، وبإقرار خصومة صلى الله عليه وسلم أنه لم يجلس إلى معلم فلم يستمع من معلم. إذن فلم يكن من سبيل لمعرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا النبأ إلا بالوحي، لذلك قال الحق سبحانه: ﴿ ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ [آل عمران: 44]. وقلنا قديما إن الوحي، هو إعلام بخفاء لأن الإعلام العادي هو أن يقول إنسان لإنسان خبرا ما، أو يقرأ الإنسان الخبر، أما الإعلام بخفاء فاسمه " وحي ". والوحي يقتضي " موحي " وهو الله، " وموحى إليه " وهو الرسول الله صلى الله عليه وسلم، و " موحى به " وهو القرآن الكريم. وإذا نظرنا إلى الإعلام بخفاء لوجدنا له وسائل كثيرة.

إن الله يوحي. لكن الموحي إليه يختلف. الله سبحانه وتعالى يوحي للأرض:

إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها

[الزلزلة: 1-5]. إنه إعلام بخفاء، لأن أحدا منا لم يسمع الله وهو يوحي للأرض، والحق سبحانه يوحي للنحل، ويوحي للملائكة، ويوحي للأنبياء، وهناك وحي من غير الله، كوحي الشياطين.

وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون

[الانعام: 121]. وهناك وحي من البشر للبشر:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٠٦