3.187
ونعرف - من قبل - أن الله قد أخذ عهدا وميثاقا على كل الأنبياء أن يؤمنوا برسالة محمد عليه الصلاة والسلام في قوله:
وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين
[آل عمران: 81]. ونأتي هنا إلى عهد وميثاق أخذه الله على أهل الكتاب الذين آمنوا بأنبيائهم، هذا العهد هو: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ﴾ [آل عمران: 187]. فما الذي يبينونه؟ وما الذي يكتمونه؟ وهل هم يكتمون الكتاب؟ نعم لأنهم ينسون بعضا من الكتاب، وما داموا ينسون بعضا من الكتاب فمعنى ذلك أنهم مشغولون عنه:
فنسوا حظا مما ذكروا به..
[المائدة: 14]. والذي لم ينسوه من المنهج، ماذا فعلوا به؟:
إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون
[البقرة: 159]. لقد كتموا البينات التي أنزلها الله في الكتاب، فالكتم عملية اختيارية، أما النسيان فقد يكون لهم العذر أنهم نسوه، لكنهم يتحملون ذنبا من جهة أخرى، إذ لو كان المنهج على بالهم وكانوا يعيشون بالمنهج لما نسوه. والذي لم ينسوه كتموا بعضه، والذي لم يكتموه لووا به ألسنتهم وحرفوه. وهل اقتصروا على ذلك؟ لا. بل جاءوا بشيء من عندهم وقالوا: هو من عند الله:
فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون
[البقرة: 79]. وقولهم: " هذا من عند الله " ما يصح أن يقال إلا لبلاغ صادق عن الله، وكلمة " ليشتروا به ثمنا قليلا " لا بد أن توسع مدلولها قليلا، ولها معنى عام، ونحن نعرف أن الثمن نشتري به، فكيف تشتري أنت الثمن؟ أنت إذا جعلت الثمن سلعة، وما دام الثمن يجعل سلعة فيكون ذلك أول مخالفة لمنطق المبادلة لأن الأصل في الأثمان أن يشترى بها، أصل المسألة أن نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان موجودا عندهم في الكتب ثم أنكروه.
وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به..
[البقرة: 89]. إذن فقوله: " لتبيننه " يعني لتبينن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، كما هو موجود عندكم دون تغيير أو تحريف، وعندما يبينون أمر الرسول بأوصافه ونعوته فهم يبينون ما جاء حقا في الكتاب الذي جاءهم من عند الله. وهكذا نجد أن المعاني تلتقي، فإن بينوا الكتاب الذي جاء من عند الله، فالكتاب الذي جاء من عند الله فيه نعت محمد، وهكذا نجد أن معنى تبيين الكتاب، وتبيين نعت رسول الله بالكتاب أمران ملتقيان.
﴿ لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ظهورهم ﴾ [آل عمران: 187] يقال: نبذت الشيء أي طرحته بقوة، وذلك دليل على الكراهية لأن الذي يكره شيئا يحب أن يقصر أمد وجوده، ومثال ذلك: لنفترض أن واحدا أعطى لآخر حاجة ثم وجدها جمرة تلسعه، ماذا يفعل؟ هو بلا شعور يلقيها بعيدا. والنبذ له جهات، ينبذه يمينه، ينبذه أمامه، ينبذه شماله، أما إذا نبذه خلفه، فهذا دليل على أنه ينبذه نبذة لا التفات إليها أبدا، انظر التعبير القرآني ﴿ فنبذوه ورآء ظهورهم ﴾ [آل عمران: 187]. إن النبذ وحده دليل الكراهية لوجود الشيء الذي يبغضه، إمعان في الكراهية والبغض، فلو رمى إنسان شيئا أمامه فقد يحن له عندما يراه أو يتذكره، لكن إن رماه وراء ظهره فهذا دليل النبذ والكراهية تماما، ولذلك يقولون: لا تجعلن حاجتي بظهر منك، يعني لا تجعل أمرا أريده منك وراء ظهرك، والحق يقول: ﴿ فنبذوه ورآء ظهورهم ﴾ [آل عمران: 187] أي أنهم جماعة و " ظهور " جمع " ظهر " كأن كل واحد منهم نبذه وراء ظهره. وكأن هناك إجماعا على هذه الحكاية، وكأنهم اتفقوا على الضلال، واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون. والمشترى هنا هو الثمن، والثمن يشترى به، ولندقق النظر في التعبير القرآني، فهناك واحد يشتري هذا الأمر بأكلة، وآخر يشتري هذه الحكاية بحلة أو لباس، وهناك من يشتريها بحاجة وينتهي، إنما هم يقولون: نريد نقودا ونشتري بها ما نحب، هذا معنى ﴿ واشتروا به ثمنا ﴾ [آل عمران: 187]. ويعلق الحق على ما يشترونه قائلا: ﴿ فبئس ما يشترون ﴾ [آل عمران: 187] لماذا؟ لأنك قد تظن أن بالمال - وهو الثمن - تستطيع أن تشتري به كل شيء، ولكن النقود لا تنفع الإنسان كما تنفعه الحاجة المباشرة لأننا قلنا سابقا: هب أن إنسانا في مكان صحراوي ومعه جبل من ذهب وليس معه كوب ماء، صحيح أن المال يأتي بالأشياء، إنما قد يوجد شيء تافه من الأشياء يغني ما لا يغنيه المال ولا الذهب، فيكون كوب الماء مثلا بالدنيا كلها، ولا يساويه أي مال ﴿ فبئس ما يشترون ﴾ [آل عمران: 187]. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا... ﴾.