الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون
[الزمر: 42]. ومرة أخرى يسند القرآن هذه العملية لملك واحد:
قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون
[السجدة: 11]. ومرة يسندها الحق سبحانه إلى رسل من المعاونين لملك الموت:
وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون
[الأنعام: 61]. والحق سبحانه وتعالى صادق في كل بلاغ عنه كل أمر يحدد الأجل ليس بمراد الموكل بإنهاء الأجل، إنما هو بإذن من الله تعالى الذي يحدد ذلك. وما دام كل أمر قد صدر منه فهو سبحانه الذي يتوفى الأنفس، وبعد ذلك فالملك الذي يتوفى الأنفس - عزرائيل - له أعوان فهو عندما يتلقى الأمر من الله فهو ينقل الأوامر إلى أعوانه ليباشر كل واحد مهمته. إذن فصيرورة الأمر بالموت نهائيا إلى الله. وصيرورة الأمر بالموت إلى الملائكة ببلاغ من الله، هذا هو الإذن، والإذن يقتضي مأذونا، والمأذون هم ملائكة الموت الذين أذن لهم ملك الموت بذلك، وملك الموت تلقى الإذن من الله سبحانه وتعالى. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ [آل عمران: 145] فالذي يريد جزاء الدنيا وهو الذي يطلب جزاء حركته فيها، يأخذها، ولو كان كافرا:
من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا
[الإسراء: 18]. ويقول سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن الكريم:
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب
[الشورى: 20]. وهذا ينهي عملية أن تقول: إن الكفار حالتهم أفضل من حالتنا، الكفار متقدمون ونحن متخلفون. وهل لم تأت فترة كان فيها المؤمنون متقدمين جدا؟ لقد جاءت فترة تقدم فيها المؤمنون، وكانوا متقدمين لألف سنة، وهم الدولة الأولى في العالم. وكان الكفار يسمون زمانهم ودولهم بأنها تحيا في عصر الظلمات. لماذا أنكرتم هذه!؟ لأن التاريخ جاء لنا من ناحية هؤلاء وقد شوهوه، ولذلك نقول لهم: نحن كنا متقدمين وأنتم والتاريخ يشهد بذلك. ولذلك قلنا: يجب على المؤمن بالله أن يكون غيورا على أسباب الله، فلا يدع أسباب الله للكافر بالله، أيأخذ الكافر بأسباب الله وأنت يا مؤمن بالله تترك الأسباب ليأخذها هو!؟ لا لأن من يعبد الله أولى بسره في الوجود، فكوننا نتركهم يأخذون الأسرار العلمية ولا ننافسهم في هذا المجال هذا تقصير منا. ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ﴾ [آل عمران: 145] ونلحظ أن الحق قد جاء بلفظ " الشاكرين " مرتين، والقرآن يؤكد هذا المعنى. إنه سبحانه أعطاكم أسبابا فإن كانت الأسباب قد جاءت لكم بمسائل الدنيا فهي تستحق الشكر، وإن كانت ستعطيكم تكليفا مع الأسباب فهذا التكليف سيعطيكم خير الآخرة، وهو أمر يستحق الشكر أيضا. وبعد هذا الكلام النظري ﴿ وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ﴾ [آل عمران: 145].. يقول ما يؤكد وجوده في موكب الإيمان الذي سبقكم لأن فيه فرقا بين الكلام وبين أن يقع مدلول الكلام، فواقع الكلام سبقكم فيقول: ﴿ وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا... ﴾.