تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون

[التوبة: 52]. فالظفر هنا بأحد أمرين: إما النصر على الكافرين، وإما الاستشهاد في سبيل الله، ونيل منزلة الشهداء في الجنة وكلاهما جميل. والمؤمنون يتربصون بالكافرين، إما أن يصيب الله الكافرين بعذاب من عنده، وإما أن يصيبهم بأيدي المؤمنين. إنها معادلة إيمانية واضحة جلية. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ زين للناس حب الشهوات... ﴾.

3.14

الموضوع الذي تأتي فيه هذه الآية الكريمة هو: موقع ذكر المعركة الإسلامية التي جعلها الله آية مستمرة دائمة لتوضح لنا أن المعارك الإيمانية تتطلب الانقطاع إلى الله، وتتطلب خروج الإنسان المؤمن عما ألف من عادة تمنحه كل المتع. والمعارك الإيمانية تجعل المؤمن الصادق يضحي بكثير من ماله في تسليح نفسه، وتسليح غيره أيضا. فمن يقعد عن الحرب إنسان تغبه شهوات الدنيا، فيأتي الله بهذه الآية بعد ذكر الآية التي ترسم طريق الانتصار المتجدد لأهل الإيمان وذلك حتى لا تأخذنا شهوات الحياة من متعة القتال في سبيل الله ولإعلاء كلمته فيقول: ﴿ زين للناس حب الشهوات ﴾ [آل عمران: 14] وكلمة " زين " تعطينا فاصلا بين المتعة التي يحلها الله، والمتعة التي لا يرضاها الله لأن الزينة عادة هي شيء فوق الجوهر. فالمرأة تكون جميلة في ذاتها وبعد ذلك تتزين، فتكون زينتها شيئا فوق جوهر جمالها. فكأن الله يريد أن نأخذ الحياة ولا نرفضها، ولكن لا نأخذها بزينتها وبهرجتها، بل نأخذها بحقيقتها الاستبقائية فيقول: ﴿ زين للناس حب الشهوات من النساء ﴾ [آل عمران: 14]. وما الشهوة؟ الشهوة هي ميل النفس بقوة إلى أي عمل ما. وحين ننظر إلى الآية فإننا نجدها توضح لنا أن الميل إذا كان مما يؤكد حقيقة استبقاء الحياة فهو مطلوب ومقبول، ولكن إن أخذ الإنسان الأمر على أكثر من ذلك فهذا هو الممقوت. وسبق أن ضربنا المثل من قبل بأعنف غرائز الإنسان وهي غريزة الجنس، وأن الحيوان يفضل الإنسان فيها، فالحيوان أخذ العملية الجنسية لاستبقاء النوع بدليل أن الأنثى من الحيوان إذا تم لقاحها من فحل لا تمكن فحلا آخر يقرب منها. والفحل أيضا إذا ما جاء إلى أنثى وهي حامل فهو لا يقبل عليها، إذن فالحيوانات قد أخذت غريزة الجنس كاستبقاء للحياة، ولم تأخذها كالإنسان لذة متجددة. ومع ذلك فنحن البشر نظلم الحيوانات، ونقول في وصف شهوة الإنسان: إن عند فلان شهوة بهيمية. ويا ليتها كانت شهوة بهيمية بالفعل لأن البهيمة قد أخذتها على القدر الضروري، لكن نحن فلسفناها، إذن فخروجك بالشيء عما يمكن أن يكون مباحا ومشروعا يسمى: دناءة شهوة النفس. والحق سبحانة وتعالى يريد أن يضمن للكون بقاءه، والبقاء له نوعان: أن يبقي الإنسان حياته بالمطعم والمشرب، وتبقى حياة النوع الإنساني بالتزاوج. ولكن إن نظرت إلى المسألة وجدت الخالق حكيما عليما. إنه يعلم أن طفولة أي حيوان بسيطة بالنسبة لأبيه وأمه، مثال ذلك: الحمامة تطعم فرخها إلى أن يستطيع الطيران، ثم لا تعرف أين ذهب فرخها، لكن حصيلة الالتقاء بين الرجل والمرأة، والتي أراد الله لها أن تنتج الأولاد تحتاج إلى شقاء إلى أن يبلغ الولد، وذلك ليكون هناك تكافؤ وتناسب بين ما يحرص عليه الإنسان من شهوة، وما يتحمل من مشاق ومتاعب في سبيل الاستمتاع بها واستبقائها.

فقول الحق سبحانه: ﴿ زين للناس حب الشهوات من النساء ﴾ [آل عمران: 14] فمن المزين؟ إن كان في الأمر الزائد على ضروريات الأمر، فهذا من شغل الشيطان، وإن كان في الأمر الرتيب الذي يضمن استبقاء النوع فهذا من الله. ونجد الحق يضيف " البنين " إلى مجال الشهوات ويقصد بها الذكران، ولم يقل البنات، لماذا؟ لأن البنين هم الذين يطلبون دائما للعزوة كما يقولون ولا يأتي منهم العار، وكان العرب يئدون البنات ويخافون العار، والمحبوب لدى الرجل في الإنجاب حتى الآن هو إنجاب البنين، حتى الذين يقولون بحقوق المرأة وينادون بها، سواء كان رجلا أو امرأة إن لم يرزقه الله بولد ذكر فإنه أو إنها تريد ولدا ذكرا. ويضيف الحق إلى مجال الشهوات: ﴿ والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ﴾ [آل عمران: 14]، والقناطير هي جمع قنطار، والقنطار هو وحدة وزن، وهذا الوزن حددته كثافة الذهب، إلا أن القنطار قبل أن يكون وزنا كان حجما، لكنهم رأوا الحجم هذا يزن قدرا كميا، فانتقلوا من الحجم إلى الوزن. وكان علامة الثراء الواسع في الزمن القديم أن يأتوا بجلد الثور بعد سلخه ويملأوه ذهبا، وملء جلد الثور بالذهب يسمونه قنطارا، وكانت هذه عملية بدائية. وبعد ذلك أخذوا ملء الجلد ذهبا ووزنوه فصار وزنا. إذن فالأصل فيه أنه كان حجما، فصار ووزنا. وساعة تسمع " قناطير مقنطرة من الذهب والفضة " فهو يريد أن يحقق فيها القنطارية، وذلك يعني أن القنطار المقنطر هو القنطار الكامل الوزن وليس مجرد قنطارا تقريبا، كما نقول أيضا: " دنانير مدنرة ". وعادة نجد في اللغة العربية لفظا يأتي من جنس اللفظ يضم إليه كي يعطيه قوة، فيقال " ظل ظليل " أي ظل كثيف، ويقال " ليل أليل " أي أن الليل في ظلمة شديدة، وهي مبالغة في كثافة الظلام. والظلام على سبيل المثال يحجب الشمس، وحاجب الشمس عنك قد يكون حجابا واحدا، وقد يكون الشيء الذي يظلك فوقه شيء آخر يظلله أيضا فيكون الظل ظليلا، ولذلك يكون الظل تحت الأشجار جميلا، لأن ورقة تستر الشمس، وورقة أخرى تستر الورقة الأولى، وهكذا، فتصنع تكييفا طبيعيا للهواء. ولذلك فهم يصنعون الآن خياما مكيفة الهواء مصنوعة من قماش فوقه قماش آخر، وبينهما مسافة، فيكون هناك قماش يظلل ظلا آخر، فإذا ما وضعوا قطعة ثالثة من القماش تظل الظلين الأولين، فإن الظل يكون ظليلا، ولذلك قلنا: إن ظل الأشجار هو ظل ظليل، فيه حنان، فكل ورقة تظل الإنسان تكون نفسها مظللة بورقة أخرى، وتكون أوراق الشجر التي تظلل بعضها بعضا مختلفة الأوضاع، وتعطي الأوراق للنسيم فرصة المرور، أما الخيام فهي تحجب النسيم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٩