تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.179

وساعة نسمع " ما كان " فلنعرف أن هنا " جحودا " أي أن هناك من يجحد القضية ويسمونها " لام الجحود ". فقبل حادثة أحد، كان المنافقون متداخلين مع المؤمنين. أكان الله يترك الأمر مختلطا هكذا، ولا يظهر المنافقين بأحداث تبين مواقعهم الحقة من الإيمان؟ لا، إنه سبحانه وتعالى لا يقبل ذلك حتى لا يظل المنافقون دسيسة في صفوف المؤمنين. وكان لابد أن تأتي الأحداث لتكشفهم. وجاءت أحداث أحد لتهيج الصف المنسوب إلى الإيمان، وتفرزه ليتميز الخبيث من الطيب، مصداقا لقوله الحق:

فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض..

[الرعد: 17]. إذن كانت أحداث أحد ضرورية. وقوله الحق: ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين ﴾ [آل عمران: 179] مقصود بها أن الله لم يكن ليدع المؤمنين ويتركهم عرضة لاختلاط المنافقين بهم بدون أن يتميز المنافقون بشيء من الأشياء، حتى لا تظل المسألة مقصورة على ما يعلمه الله لرسوله من أمر المنافقين. فلو أعلم الله رسوله فقط بأمر المنافقين، ولو أعلن الرسول ذلك للمؤمنين دون اختبار واقعي للمنافقين لكان ذلك مجرد تشخيص نظري للنفاق يأتي من جهة واحدة، وأراد الله أن تأتي حادثة واضحة وتجربة معملية واقعية تبين وتظهر الواقع، حتى ينكشف المنافقون، وحتى لا يعترض أحد منهم عندما يوصف بأنه منافق، وحتى لا يكون هذا الوصف مجرد كلام من الخصم، بل بفعل ارتكبوه هم عمليا، وبذلك تكون الحجة قوية للغاية. لقد كان المنافقون أسبق الناس إلى الصفوف الأولى في الصلاة لأن كل منافق منهم أراد أن يحبك مسألة نفاقه، ويواريه، فيحرص على ما يندفع المؤمنون إليه، والمنافق كان يعرف أن المؤمنين يتسابقون إلى الصلاة، فهو يسارع ليكون في الصف الأول من الصلاة. ويخبر الله سبحانه وتعالى رسوله:

ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم

[محمد: 30]. أي لو لاحظت كلامهم لعرفتهم، مثلهم مثل كل المنافقين في الدنيا، تلاحظ في كلامهم لقطة من نفاق فالمؤمن حين يجلس مع جماعة من المنافقين ويأتي وقت صلاة الظهر ويدعو الأذان إلى الصلاة، تجد المؤمن يقول: فلنقم إلى الصلاة وهنا يسخر المنافق ويقول للمؤمن: لتأخذني على جناحك للجنة يوم القيامة. ومثل هذه الكلمة يكون " لحن القول ". أو عندما يدخل مؤمن على جماعة من الناس فيهم منافق، فيستقبل المنافق المؤمن بلهجة من السخرية في التحية، " كيف حالك أيها الشيخ فلان "؟ ومعنى ذلك أنه غير مستريح لوجود المؤمن فيسخر منه. وذلك من " لحن القول " الذي يظهر به المنافق. ومثل هذه العمليات عندما يواجهها المؤمن الواعي المستنير الذي يتجلى الله عليه بالإشراقات النورانية، مثل هذه العمليات تكون وقودا للمؤمن وتزيد من إيمانه لأن المؤمن على منهج الحق، وقادر على نفسه؟ هذا ما يغيظ المنافق كثيرا فالمنافق يتسائل بينه وبين نفسه: لماذا يقدر المؤمن على نفسه؟ والمنافق لا يقدر على نفسه لذلك يريد أن يسحب المؤمن من عقيدته ليكون معه على النفاق والعياذ بالله.

وعلى المؤمن أن يوطن نفسه على أنه سيواجه منافقين يريدون أن يردوه عن الإيمان، وسيجد أناسا يسخرون منه ويتغامزون عليه، مصداقا لقوله الحق:

إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا عليهم حافظين

[المطففين: 29-33]. والمنافق أو الكافر قد يقول لأهله: لقد رأيت اليوم شيخا أو رجل دين أو متدينا فسخرت منه وأهنته ويتندر المنافق بمثل هذا القول في بيئته الفاسدة، ويكشفها الحق لنا بقوله الكريم. ليطمئن المؤمنين، ويعوض كل مؤمن عما يصيبه من أهل النفاق والفساد:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨١١