تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.160

الحق يقول هنا: ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ [آل عمران: 160]، المؤمنون بمن؟ بالله.. وما داموا مؤمنين به فمن إيمانهم به أنه إله قادر حكيم عالم بالمصلحة، ولا يوجد أحسن من أنك توكله. وعندما نقرأ ﴿ إن ينصركم الله فلا غالب لكم ﴾ [آل عمران: 160] فقد نسأل: وما هو المقابل؟ المقابل هو ﴿ وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ [آل عمران: 160]. إذن فأنت دخلت بالأسباب التي قالها الحق سبحانه وتعالى مؤتمرا بأمر القيادة السماوية التي مثلت في الرسول المبلغ عن الله، وقد أخذت عدتك على قدر استطاعتك، إياك أن تقارن عددك بعدد خصمك أو تقارن عدتك بعدة خصمك فالله لا يكلفك أن تقابل العدد بالعدد ولا العدة بالعدة، وإنما قال: أنت تعد ما استطعته، لماذا؟ لأن الله يريد أن يصحب ركب الإيمان معونة المؤمن به لأنه لو كانت المسائل قدر بعضها، لكانت قوة لقوة. لكن الله يريد أن يكون العدد قليلا وتكون العدة أقل وأن نعترف ونقول: هذا ما قدرنا عليه يارب. وما دام هو الذي قدرنا عليه، فتكون هذه هي الأسباب التي مكنتنا منها، ونثق بأنك يارب ستضع مع العدد القليل مددا من عندك، فأنت المعين الأعلى، فسبحانك القائل:

ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم

[محمد: 11]. والحق هنا يقول: ﴿ إن ينصركم الله فلا غالب لكم ﴾ [آل عمران: 160] فأنت تضمن نصر الله لك إن كنت قد دخلت على أن تنصره. كيف نعرف أننا ننصر الله؟ نعرف ذلك عندما تأتي النتيجة بنصرنا، لأنه سبحانه لا يعطي قضية في الكون وبعد ذلك يأتي بالواقع ليكذبها، وإلا فالمسلمون يكونون قد انخدعوا - معاذ الله - لأنه لو جاء الدين بقضية ثم يأتي الواقع ليكذبها، فلا بد أن يقولوا: إن الواقع كذب تلك القضية. لكن الحق قال: ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ﴾ [آل عمران: 160] ويجيء الواقع مؤكدا لهذه القضية، عندئذ نحن لا نصدق في هذه القضية فقط، بل نصدق كل ما غاب عنا، فعندما تظهر جزئية مادية واقعة محسوسة لتثبت لي صدق القرآن في قضية فأنا لا أكتفي بهذه القضية، بل أقول: وكل ما لا أعلمه داخل في إطار هذه القضية. ولذلك قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى ترك بعض أسراره في كونه، وهذه الأسرار التي تركها في كونه هي أسرار لا تؤدي ضرورات إن عرفناها فنحن ننتفع بها قليلا في الكماليات، ويترك الحق بعض الأسرار في الكون إلى العقول لتستنبطها، فالشيء الذي كان العقل يقف فيه قديما يصبح باكتشاف أسرار الله مقبولا ومعقولا، كأن الشيء الذي وقف فيه العقل سابقا أثبتت الأيام أنه حق، إذن فما لا يعرف من الأشياء يؤخذ بهذه القضية أو بما أخذ من الغير.

يقولون - مثلا- اكتشف الميكروب على يد " باستير " ، لكن ألم يكن الميكروب موجودا قبل " باستير "؟ كان الميكروب موجودا، ولم يكن أحد يراه لأن الشيء إذا دق ولطف لا نقدر أن ندركه فليس عندنا الآلة التي تدركه، ولم نكن قد اخترعنا المجهر الذي يكبر الأشياء الدقيقة آلاف المرات. وكذلك اخترع الناس التلسكوب، فبعد أن كان الشيء لا يرى لبعده، أصبح يرى بوساطة التلسكوب، وإن كان الشيء ضئيلا جدا ولا نراه. فقد استطعنا أن نراه بوساطة المجهر المسمى " الميكروسكوب ". و " التلسكوب " يقرب البعيد و " الميكروسكوب " يكبر الصغير فنرى له حركة وحياة، ونجد له مجالا يسبح فيه، وهذا جعلني إذا حدثني القرآن أن لله خلقا غاب عن الحس لا يدرك من جن وملائكة، فلا أكذب ذلك، لأن هناك أشياء كانت موجودة ولم تدخل تحت حسى ولا إدراكي مع أنها من مادتي، فإذا كانت الأشياء الأخرى من مادة أخرى مثل الملائكة من نور، أو الجن من النار، ويقول لي سبحانه إنهم مخلوقون وموجودون فأنا لا أكذب ما جاء عن الحق لأن هناك أشياء من جنسي كانت موجودة ولم أستطع أن أراها. إذن فهذه قربت لي المسألة، فعندما يقول الحق: ﴿ إن ينصركم الله فلا غالب لكم ﴾ [آل عمران: 160] فنحن نعرف أن نصر الله مترتب على أن تدخل المعركة وأنت تريد أن تنصر الله، وتنصره بماذا؟ بأنك تحقق كلمته وتجعلها هي العليا، وليس هذا فقط هو المطلوب، بل لتجعل - أيضا - كلمة الذين كفروا السفلى. ﴿ وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ [آل عمران: 160] إنه في ظاهر الأمر يكون معنا، لكننا نشعر أنه تخلى عنا، لماذا؟ لأننا نترك بعضا من تعاليم الله، إذن فهو في المظهر العام معكم كمسلمين، ومن معيته لكم أن يؤدبكم على المخالفة فيخذلكم عندما تخالفون عن أمره. ويختم الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ [آل عمران: 160] وفي الآية السابقة قال سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٨٤