حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى
[البقرة: 238] لأن محافظتكم عليها هي التي ستنهي كل الخلافات لأن الله لايكون في بالكم ساعة ضيقكم وفي ساعة شدتكم فتستسلمون للضيق والشدة وتنسون الصلاة، في الوقت الذي يكون فيه الإنسان أحوج ما يكون إلى الصلاة. إنك في وقت الضيق والشدة عليك أن تذهب إلى ربك، وأقول هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إن الولد الذي يضربه أصحابه يذهب إلى أبيه، كذلك زوجتك إذا أغضبتها تذهب إلى أهلها، فكيف لا تذهب إلى ربك وقت شدتك وكربك؟. وهكذا نجد أن قوله الحق:
حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى
[البقرة: 238] جاء في المكان الصحيح، وهكذا آية الربا، جاءت في مكانها هنا وخصوصا أنه تكلم عن الربا أولا، فتأتي الحادثة وسخونة الحدث وينزل هذا القرآن الكريم كي يعرف كل من يريد مالا زائدا على غير ما شرع الله أنه سيأتي منه البلاء على نفسه وعلى غيره، فالبلاء في أحد شمل الجميع: الرماة وغير الرماة أيضا. إذن فكل الدنيا تتعب عندما تخالف منهج الله، والمال الزائد من غير ما شرع الله إن لم يترك فقد آذن الله من يأكله بحرب من الله ومن رسول الله.
3.130
والربا زيادة في المال، فهل يؤكل؟ نعم لأن كل المسائل المالية من أجل اللقمة التي تأكلها، هذا هو الأصل. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
" من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا ".
ونعرف أنه عندما يكون الواحد منا في منطقة ليس فيها رغيف خبز، فلن تنفعه ملكية جبل من الذهب. ﴿ لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ﴾ [آل عمران: 130] وقوله سبحانه: " أضعافا " و " مضاعفة " هو كلام اقتصادي على أحدث نظام، فالأضعاف هي: الشيء الزائد بحيث إذا قارنته بالأصل صار الأصل ضعيفا، فعندما يكون أصل المال مائة - على سبيل المثال - وسيؤخذ عليها عشرون بالمائة كفائدة فيصبح المجموع مائة وعشرين. إذن فالمائة والعشرون تجعل المائة ضعيفة، هذا هو معنى أضعاف. فماذا عن معنى " مضاعفة "؟ إننا سنجد أن المائة والعشرين ستصبح رأس مال جديدا، وعندما تمر سنة ستأخذ فائدة على المائة وعلى العشرين أيضا، إذن فالأضعاف ضوعفت أيضا، وهذا ما يسمى بالربح المركب، وهل معنى هذا أننا نأكله بغير أضعاف مضاعفة؟! لا لأن الواقع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هكذا. وقد يقول لك واحد: أنا أفهم القرآن وأن المنهي هو الأضعاف المضاعفة، فإذا لم تكن أضعافا مضاعفة فهل يصح أن تأخذ ربحا بسيطا يتمثل في نسبة فائدة على أصل المال فقط؟ ولكن مثل هذا القائل نرده إلى قول الله:
وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون
[البقرة: 279]. إن هذا القول الحكيم يوضح أن التوبة تقتضي أن يعود الإنسان إلى حدود رأس ماله ولا يشوب ذلك ربح بسيط أو مركب. وعندما نجد كلمة " أضعافا مضاعفة " فهي قد جاءت فقط لبيان الواقع الذي كان سائدا في أيامها. وبعد ذلك يقول الحق تذييلا للآية: ﴿ واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ ونقول دائما ساعة نرى كلمة " اتقوا " يعني اجعلوا بينكم وبين الله وقاية، وهل تكون الوقاية بينكم وبين الله بكل صفات جماله وجلاله؟ لا، فالوقاية تكون مما يتعب ومما يؤلم ويؤذي، إذن فاتقوا الله يعني: اجعلوا بينكم وبين صفات جلاله من جبروت وقهر وانتقام وقاية، وعندما يقول الحق: " واتقوا النار " فهي مثل قوله: " واتقوا الله " ، لأن النار جند من جنود صفات الجلال. وعندما يقول الحق: ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ [آل عمران: 130] نعرف أن كلمة " الفلاح " هذه تأتي لترغيب المؤمن في منهج الله، وقد جاء الحق بها من الشيء المحس الذي نراه في كل وقت، ونراه لأنه متعلق ببقاء حياتنا، وهو الزرع، والفلاحة، أنت تحرث وتبذر وتروي، وبعد ذلك تحصد.