تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.17

وهذه كلها صفات للذين اتقوا الله، وأعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، والأزواج المطهرة، ورضوان من الله أكبر، وهم صابرون وصادقون وقانتون ومنفقون في سبيل الله، ومستغفرون بالأسحار. وصابرون على ماذا؟ إنهم صابرون على تنفيذ تكاليف الله، لأننا أول ما نسمع عن التكليف فلنعلم أن فيه كلفة ومشقة والتكاليف الشرعية فيها مشقة لأنها قيدت حركة العبد. لقد خلقك الحق خلقا صالحا لأن تفعل كذا أو لا تفعل. فساعة يقول لك: افعل.. فإنه قد سد عليك باب " لا تفعل " وساعة يقول لك الحق: لا تفعل فإنه يكون قد سد عليك باب " افعل " ، وهكذا يكون تقييد حركتك وتقييد المخلوق على هيئة الاختيار فيه مشقة، فإذا جاء أمر الله ب " افعل " فقد يكون الفعل في ذاته شاقا، فإن صبرت على مشقة الفعل الذي جاء بوساطة " افعل " فأنت صابر، لأنك صبرت على الطاعة.. وقد تصبر على المعصية، عندما يلح عليك شيء فيه غضب الله فترفض أن ترتكب الذنب، فتكون قد صبرت عن ارتكاب الذنب. إذن ففي " افعل " صبر على مشقتها، وفي " لا تفعل " صبر عنها، فالصابرون لهم اتجاهان اثنان، لأن التكليف إما أن يكون بافعل، وإما أن يكون بلا تفعل. فساعة يأتي التكليف بافعل فقد تأتي المشقة.. وعندما تنفذ التكليف بافعل فأنت قد صبرت على المشقة.. وعندما يأتي التكليف ب " لا تفعل " كأمر الحق بعدم شرب الخمر، أو " لا تسرق " فأنت قد صبرت عنها.. إذن ف " افعل " ولا " تفعل " قد استوعبت نوعي التكليف، وبقيت بعد ذلك أحداث لا تدخل في نطاق افعل ولا تفعل، وهي ما ينزل عليك نزولا قدريا بدون اختيار منك بل هي القهرية والقسرية. فساعة أن يطلب منك أن تفعل، أي إنه قد خلقك صالحا ألا تفعل كما قلنا من قبل. إلا إن كنت مجبرا على الفعل فقط. وكذلك إذا قال لك الحق: " لا تفعل ". والشيء القدري الذي لا صلاحية فيه للاختيار ماذا يفعل فيه المؤمن؟ إنه يصبر على الآلآم والمتاعب لأنه آمن بالله ربا، والرب هو الذي يتولى تربية المربى لبلوغه حد الكمال المنشود له، فإذا جاء لك الحق بأمر لا خيار لك فيه، كالمرض أو الكوارث الطارئة، كوقوع حجر من أعلى أو إصابة برصاصة طائشة، فكل ذلك هي أمور لا دخل ل " افعل " ولا " تفعل " فيها. وهناك يكون الصبر على مثل هذه الأمور هو إيمان بحكمة من أجراها عليك.

لأن الذي أجراها رب، وهو الذي خلقني فأنا صنعته. وما رأينا أحدا يفسد صنعته أبدا. فإذا ما جاء أمر على الإنسان بدون اختيار منه، فالذي أجراه له فيه حكمة فإن صبر الإنسان على هذه الآلام فإنه يدخل في باب الصابرين. إذن، فالصابرون أنواع هم: صابر على الطاعة ومشاقها، صابر على المعاصي ومغرياتها، صابر على الأحداث القدرية التي تنزل عليه بدون اختيار منه. وإذا رأيت إنسانا قد صبر على أمر الطاعة وصبر عن شهوة المعصية وصبر على الأقدار النازلة به، فاعرف حبه لربه ورضاه عنه. ونأتي بعد ذلك لوصف آخر يقول الله فيه: " الصابرين " و " الصادقين ". والصدق كما نعلم يقابله الكذب، والصدق كما نعرف حقيقته: يأتي حين توافق النسبة الكلامية التي يتكلم بها الإنسان، النسبة الأخرى الخارجية الواقعة في الكون. فإن قلت: " حصل كذا وكذا " فتلك نسبة كلامية صدرت من متكلم، فإن وافقها الواقع بأنه حصل كذا وكذا فعلا يكون المتكلم صادقا. وإن لم يكن الواقع موافقا لحدوث ما أخبر به يكون المتكلم كاذبا. لماذا؟ لأن كلام المتكلم العاقل لا بد له من نسب ثلاث: الأولى وهي النسبة الذهنية: فقبل أن أتكلم أعرض الأمر على ذهني، وذهني هو الذي يعطي الإشارة للساني ليتكلم، هذه هي النسبة الأولى واسمها " نسبة الذهن ". وقد يعن لي أن تأتي النسبة الذهنية ثم أعدل عنها فلا أتكلم، فتكون النسبة الذهنية قد وجدت، والنسبة الكلامية لم توجد. وقد أصر على أن أبرز إشارة ذهني على لساني فأقول النسبة الكلامية. ونأتي بعد النسبة الكلامية لنرى: هل الواقع أن ما حدث وتحدثت به وقع أم لم يقع؟ فإن كان قد وقع، يكون الكلام مني صدقا. وإن لم يكن قد وقع، وكانت النسبة الخارجية على عكس ما أخبرت به. فإننا نقول: " هذا كلام كذب " إذن: فالصدق: هو أن تطابق النسبة الكلامية الواقع. والكذب: هو ألا تطابق النسبة الكلامية الواقع وكثيرا ما يخطىء الناس في فهم الواقع فيجدون تناقضا في بعض الأساليب. مثال ذلك، حينما تعرض بعض المستشرقين لقول الحق سبحانه وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٧