3.28
أنت لا تتخذ الكافر وليا إلا إن بانت لك مظاهر القوة فيه، ومظاهر الضعف فيك، إنك عندما تتأمل معنى كلمة " ولي ". تجد أن معناها " معين " وحين تقول: " الله هو الولي " فإننا نستخدم الكلمة هنا على إطلاقها، إن كلمة الولي تضاف إلى الله على إطلاقها، وتضاف بالنسبة والمحدودية لخلق الله، فالحق يقول:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور..
[البقرة: 257]. إن الله ولي على إطلاقه، والحق يقول:
ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
[يونس: 62]. إن المفرد لأولياء الله هو " ولي الله " ، فالمؤمن ولي الله، والحق يقول:
هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا
[الكهف: 44]. هكذا نلاحظ أن الولاية قد تضاف مرة إلى الله، ومرة إلى خلق الله. إن الله ولي المؤمن، وهذا أمر مفهوم، وقد نتساءل: كيف يكون المؤمن ولي الله؟ إنا نستطيع أن نفهم هذا المعنى كما يلي: إن الله هو المعين للعباد المؤمنين فيكون الله ولي الذين آمنوا، أي معينهم ومقويهم. وأولياء الله، هم الذين ينصرون الله، فينصرهم الله، وهو - سبحانه - الحق الذي قال:
يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم
[محمد: 7]. ألم يكن الله قادرا أن ينتقم من الكفار مرة واحدة وينتهي من أمرهم؟ ولكن الحق سبحانه قال:
قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين
[التوبة: 14]. إن الحق لو قاتلهم فإن قتاله لهم سيكون أمرا خفيا، وقد يقولون: إن هذه مسائل كونية في الوجود، لذلك يأتي بالقتال للمؤمنين الذين استضعفهم الكافرون. إذن مرة تطلق " الولي " ويراد بها " المعين ". ومرة أخرى تطلق كلمة " الولي " ويراد بها " المعان ". لأنك إن كنت أنت ولي الله، والله وليك فإنه الحق سبحانه " معين " لك وأنت " معان ". إن الحق سبحانه يريد لمنهجه أن يسود بإيمان خلقه به، وإلا لكان الحق سبحانه وتعالى قد استخدم طلاقة قدرته على إرغام الناس على أن يكونوا طائعين، فلا أحد بقادر على أن يخرج عن قدرة الله، والإنسان عليه أن يفكر تفكيرا واضحا، ويعرف أن حياته بين قوسين: بين قوس ميلاده وقوس وفاته، ولا يتحكم الإنسان في واحد من القوسين، فلماذا يحاول التحكم في المسافة بين القوسين؟ إذن القواميس الكونية بيد الله وتسير كالساعة، إنه سبحانه يقول:
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون
[غافر: 57]. إن شيئا لم يخرج عن مراد الخالق الأعظم. إنما الحق سبحانه وتعالى أخذ هذه المسائل في حركة السماوات والأرض بقوة قهره وقدرة جبروته، فلا شيء يخرج من يده، أما بالنسبة للعباد فهو سبحانه يريد ان يأخذ قوما بحب قلوبهم.
إن الإيمان طريق متروك لاختيار الإنسان، صحيح أن الحق قادر على أن يأتي بالناس مؤمنين، ولكنه يريد أن يرى من يجيء إليه وهو مختار ألا يجيء. إن تسخير الأشياء يظهر لنا صفة القدرة الكاملة لله، واختيارات الإنسان هي التي تظهر صفة المحبوبية لله، والله يريد لنا أن نرى قدرته، ويريد منا أن نتجه إليه بالمحبوبية لذلك يقول الحق: ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون المؤمنين ﴾ [آل عمران: 28] لماذا؟ لأن الكافرين وإن تظاهروا أنهم أولياء لك أيها المؤمن، فهم يحاولون أن يجعلوك تستنيم لهم، وتطمئن إليهم وربما تسللوا بلطف ودقة، فدخلوا عليك مدخل المودة، وهم ليسوا صادقين في ذلك، لأنهم ما داموا كافرين، فليس هناك التقاء في الأصل بين الإيمان والكفر لذلك يقول الحق: ﴿ ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ﴾ [آل عمران: 28]. إن من يتخذ هؤلاء أولياء له، فليس له نصيب من نصرة الله، لماذا؟ لأنه اعتقد إن هؤلاء الكافرين قادرون على فعل شيء له. لذلك يحذرنا الله ويزيد المعنى وضوحا أي: إياكم أن تغتروا بقوة الكافرين وتتخذوا منهم أولياء. ولا تقل أيها المؤمن: " ماذا أفعل؟ " لأن الله لا يريد منك إلا أن تبذل ما تستطيع من جهد، ولذلك قال سبحانه: