والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب
[النور: 39]. إنه يفاجأ بوجود الله، ولم يكن هذا الإله في باله ساعة أن قام بهذا العمل الذي هو في ظاهره خير، كأن الله يقول لصاحب مثل هذا العمل: أنا لم أكن في بالك ساعة أن قمت بهذا العمل، فخذ جزاءك ممن كان في بالك. ﴿ أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ﴾ [آل عمران: 22] إن أعمالهم حبطت في الدنيا، لأنهم قد يعملون عملا يراد به الكيد للإسلام، لذلك لا يمكنهم الله من ذلك، بل يخذلهم جميعا. وانتصر دين الله رغم قلة العدد وقلة العدة. وليس لهؤلاء ناصرون. أي ليس لهم من يأتي ويراهم مهزومين أمام خصم لهم وينجدهم، إنهم لن يجدوا ناصرا إذا هزمهم الله، فليس مع الله أحد غيره. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب... ﴾.
3.23
ونعرف أننا ساعة نسمع قول الحق: ﴿ ألم تر ﴾ [آل عمران: 23] فهنا همزة استفهام، وهنا أداة نفي هي " لم " ، وهنا " تر " ومعناها أن يستخدم الإنسان آلة الإبصار وهي العين. فإذا ما قال الله لرسوله: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ﴾ [آل عمران: 23]. إن هذه دعوة لأمر واضح. لكن في بعض الأحيان تأتي ﴿ ألم تر ﴾ [آل عمران: 23] في حادث كان زمانه قبل بعثته صلى الله عليه وسلم فلم يره رسول الله كقول الحق:
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
[الفيل: 1]. إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير أصحاب الفيل، إذن فساعة تسمع ﴿ ألم تر ﴾ [آل عمران: 23]، إن كان حدثها من المعاصر، فمن الممكن أن تكون رؤية، والرؤية تؤدي إلى علم يقين، لأنها رؤية لمشهود وإن جاءت ﴿ ألم تر ﴾ [آل عمران: 23] في أمر قد حدث من قبل، أو أمر لما يحدث بعد فهي تعني " ألم تعلم " لأن الرؤية سيدة الأدلة، فكأن الله سبحانه وتعالى ساعة يقول لرسوله في حدث لم يشهده الرسول: ألم تر؟ فهذا معناه: ألم تعلم؟ وقد يقول قائل: ولماذا لم يأت ب " تعلم " وجاء ب تر؟ لأن سيادة الأدلة هو الدليل المرئي، فكأن الله يريد أن يخبرنا ب ﴿ ألم تر ﴾ [آل عمران: 23] أن نأخذ المعلومة من الله على أنها مرئية، وليكن ربك أوثق عندك من عينك، إنك قد لا ترى بالفعل هذا الأمر الذي يخبرك به الله، ولكن لأن القائل هو الله، ولا توجد قدرة تخرج ما يقوله الله على غير ما يقوله الله. لذلك فقد قلنا ساعة يعبر الله عن الأمر المستقبل الذي سيأتي بعد، فإنه قد يعبر عنه بالماضي، فالحق قد قال:
أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون
[النحل: 1]. فهل ينسجم قوله: " أتى أمر الله " مع " فلا تستعجلوه "؟ إن الأمر الذي يخبرنا به الله قد أتى، فكيف يمكن عدم استعجاله؟ إن " أتى " معناها أن الأمر قد حصل قبل أن يتكلم. يجب علينا إذن أن نعرف أن الذي قال: " أتى " قادر على الإتيان به، فكأنه أمر واقع، إنها مسألة لا تحتاج إلى جدال لأنه لا توجد قوة تستطيع أن تنازع الله لتبرز أمرا أراده في غير مراده. فكأن قوله الحق: ﴿ ألم تر ﴾ [آل عمران: 23] إن كانت تحكي عن حدث فات زمنه فالذي يأتي منها هو العلم، لأنه إخبار الله، وإن كانت تحكي عن حدث معاصر فالذي يأتي منه أيضا هو العلم لأنه صادر عن رؤية ومشاهدة.
وعندما يقول الحق: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ﴾ [آل عمران: 23]. " وأوتوا " تلفتنا إلى قوم قد نزل إليهم منهج من أعلى. وذلك يأتي في القرآن ذكر المنهج ب " نزل " و " أنزل " ، وذلك حتى نشعر بعلو المكانة التي نزل منها المنهج. وما هو النصيب؟ إننا نسمي النصيب " الحظ " ، أو خارج القسمة، كأن يكون عندنا عشرون دينارا، ونقسمها على أربعة فيكون لكل واحد خمسة، هذه الخمسة الدنانير هي التي تسمى " نصيبا " أو " حظا " ، والنصيب: " حظ " أو " قسمة " يضاف لمن أخذه. إذن، فلماذا يقول الحق: ﴿ الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ﴾ [آل عمران: 23] إنها لفتة جميلة، فالكتاب كله لم يبق لهم، إنما الذي وصل وانتهى إليهم جزء بسيط من الكتاب، فكأن هذه الكلمة تنبه الرسول والسامعين له أن يعذروا هؤلاء القوم حيث لم يصلهم من الكتاب إلا جزء يسير منه، إن نصيبا من الكتاب فقط هو الذي وصلهم. ويشرح الحق ذلك في آيات أخرى: