3.140
وقد تكلمنا - من قبل - عن " المس " وهو: إصابة بدون حس.. أي لمس لكنك لا تحس بحرارة أو نعومة مثلا، إنما " اللمس " هو أن تحس في الشيء حرارة أو نعومة ويحتاج إلى الالتصاق المؤقت، إنما " المس " هو ما لا تكاد تدرك به شيئا، " والقرح " هو: الجراح، وفي لغة أخرى تقول " القرح " - بضم القاف - وأقول: القرح وهو الألم الناشئ من الجراح، كي يكون لفظ معنى. وأنت قد ترى بعض الألفاظ فتظن أن معناها واحد في الجملة، إلا أن لكل معنى منها ملحظا، أنت تسمع مثلا: رأى، ونظر، ولمح، ورمق، ورنا. كل هذه تدل على البصر. لكن كل لفظ له معنى: رمق: رأى بمؤخر عينيه، ولمح: أي شاهد من بعد، ورنا: نظر بإطالة، وهكذا. ويقال أيضا: جلس، وقعد، فالمعنى العام يكاد يكون واحدا، لكن المعنى الدقيق يوضح أن الجلوس يكون عن اضطجاع. والقعود عن قيام، كان قائما فقعد، والاثنان ينتهيان إلى وضع واحد، فكذلك " قرح " و " قرح " كل لفظ له معنى دقيق. ويقولون - مثلا -: إن للأسد أسماء كثيرة، فقال: " الأسد " و " الغضنفر " و " الرئبال " و " الورد " و " القسورة ". صحيح هذه أسماء للأسد، ولكن لكل اسم معنى محدد، ف " الأسد " هو اللفظ العام والعلم على هذا الحيوان، و " الغضنفر " هو الأسد عندما ينفش لبدته، و " الورد " هو حالة للأسد عندما يكون قد مط صلبه، فكل موقف للأسد له معنى خاص به. وقوله الحق: ﴿ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ﴾ [آل عمران: 140] لاحظ أن المتكلم هو الله فافطن جيدا إلى مرادات كلامه. ونعرف أنه في الشرط والجواب،، أن الشرط يأتي أولا ثم يأتي الجواب من بعد ذلك مترتبا عليه ونتيجه له، كقولنا " إن تذاكر تنجح " إن النجاح هو جواب لشرط وهو الاستذكار. وقوله الحق: ﴿ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ﴾ [آل عمران: 140] فهل المعنى المراد من هذه الجملة الشرطية أن مس القرح للكافرين الذي حدث في بدر كان كجزاء لمس القرح للمؤمنين في أحد؟ لا، إنه لا يكون أبدا جوابا لشرط لأنه لو كان جواب شرط لقال الحق: إن يمسسكم قرح فسيمس القوم قرح مثله. ولكنه لم يقل ذلك لأن القرح الذي أصاب المشركين في بدر كان أسبق من القرح الذي أصاب المؤمنين في أحد. وكأن الحق يقول: إن يمسسكم قرح فلا تبتئسوا فقد مس القوم قرح مثله، وليس ذلك جواب الشرط، ولكنه جاء ليستدل به على جواب الشرط، أي أنه تعليل لجواب الشرط، أقول ذلك حتى لا يتدخل دعي من الأدعياء ويتهم القرآن - والعياذ بالله - بما ليس فيه.
إنه - سبحانه - يثبت المؤمنين ويسليهم. ومثال ذلك ما نقوله نحن لواحد إذا أصابته كارثة: إن كان قد حدث لك كذا، فقد حدث لخصمك مثله. إذن فنحن نسليه. والمقصود هنا أن الحق يسلي المؤمنين: إن يمسسكم قرح فلا تبتئسوا، فليكن عندكم سلو ولتجتازوا هذا الأمر ولترض به نفوسكم لأن القوم قد مسهم قرح مثله. والأسوة والتسلية، هل تأتي بما وقع بالفعل أم بما سيقع؟. إنها تأتي بما وقع بالفعل، إذن فهي تعلل تعليلا صحيحا: ﴿ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ﴾ [آل عمران: 140]. وأطلق الحق سبحانه من بعد ذلك قضية عامة: ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ [آل عمران: 140]. ما معنى المداولة؟ داول أي نقل الشيء من واحد لآخر. ونحن هنا أمام موقعتين غزوة بدر وغزوة أحد. وكان النصر للمسلمين في غزوة بدر بالإجماع، أما غزوة أحد فلم يكن فيها هزيمة بالإجماع ولم يكن فيها نصر. إذن فقوله الحق: ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ [آل عمران: 140] أي مع التسليم جدلا بأن الكفار قد انتصروا - رغم أن هذا لم يحدث - فإننا نقلنا النصر منكم أيها المؤمنون إليهم. وإياك أن تفوتك هذه الملاحظة، بأن النصر لم ينتقل إليهم إلا بمخالفة منكم أيها المؤمنون. ومعنى مخالفة منكم، أي أنكم طرحتم المنهج، ومعنى أنكم طرحتم المنهج، أي أنكم أصبحتم مجرد " ناس " مثلهم. وما دمتم قد صرتم مجرد ناس بدون منهج مثلهم ومتساوين معهم، فإن النصر لكم يوم، ولهم يوم. ولنلحظ ان الحق لم يقل: إن المداولة بين الناس هي مداولة بين مؤمنين وكافرين. فإن ظللتم مؤمنين فلا يمكن أن ينتقل النصر إلى الكفار، إنما النصر يكون لكم، انظر ماذا قال: ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ [آل عمران: 140] ولم يقل بين المؤمنين والكافرين، أي بينكم وبين قريش. وليس المقصود بالأيام ما هو معروف لدى الناس من أوقات تضم الليل والنهار، ولكن المقصود ب " الأيام " هنا هو أوقات النصر أو أوقات الغلبة. ويقال أيضا: " يوم فلان على فلان " إذن ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ [آل عمران: 140] لم تتضمن المداولة بين المؤمنين والكافرين، ولكنها مداولة بين الذين مالت أبصارهم إلى الغنائم فتخلخل إيمانهم، ففازت قريش ظاهريا. فلو ظللتم على إيمانكم لما حدث ذلك أبدا. لكنكم تخليتم عن منهج ربكم، وبذلك استويتم وتساويتم مع غير المؤمنين، وبذلك تكون الأيام لذلك مرة ولهذا مرة أخرى، إنها مطلق عدالة.