3.152
ونعرف أن في ﴿ صدقكم الله وعده ﴾ [آل عمران: 152] مفعولين: الأول هو ضمير المخاطبين في قوله: " صدقكم " ، والثاني هو قوله " وعد " المضاف إليه الضمير العائد على لفظ الجلالة " الله " فهو - سبحانه - قد أحدث وعدا، والواقع جاء على وفق ما وعد. لقد قال الحق:
إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم
[محمد: 7]. وقال سبحانه:
وإن جندنا لهم الغالبون
[الصافات: 173]. والآيتان تؤكدان قضية وعدية، بعد ذلك جاء التطبيق العملي.. فهل وقع الوعد أو لم يقع؟ لقد وقع، ومتى؟ فهل يشير الحق في هذه الآية إلى موقعة بدر؟ ﴿ إذ تحسونهم بإذنه ﴾ [آل عمران: 152]. و " تحسونهم " أي تذهبون الحس منهم، والحس: هو الحواس الخمس، ومعنى أذهبت حسه يعني أفقدته تلك الحواس. " إذ تحسونهم " وقد حدث، وتمكنتم منهم تقتلونهم وتأسرونهم، أو الحس: هو الصوت الذي يخرج من الإنسان، وما دام فقد الحس يعني انتهى، ﴿ إذ تحسونهم بإذنه ﴾ [آل عمران: 152] فحينما صدقتم لقاءكم لعدوكم على منهج الله صدق الله وعده هذا في بدر. أما هنا في أحد فقد جاء فيكم قوله: ﴿ حتى إذا فشلتم ﴾ [آل عمران: 152] أي جبنتم. ﴿ وتنازعتم في الأمر وعصيتم ﴾ [آل عمران: 152] أمر الرسول ﴿ من بعد مآ أراكم ما تحبون ﴾ [آل عمران: 152] وهي الغنائم، ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ [آل عمران: 152]. كأنه سبحانه يعطينا العبرة من معركتين: معركة فيها صدق وعد الله، وفعلا انتصرتم، وأيضا صدق وعد الله حينما تخليتم عن أمر الرسول فحدث لكم ما حدث. إذن فالمسألة مبسوطة أمامكم بالتجربة الواقعية، ليس بالكلام النظري وليس بالآيات فقط، بل بالواقع. أو أن الأمر كله دائر في أحد، نقول فرضا: هو يدور في أحد ودع بدرا هذه، حينما دخلتم أيها المسلمون أول الأمر انتصرتم أم لم تنتصروا؟ لقد انتصرتم، وطلحة بن أبي طلحة الذي كان يحمل الراية للكفر قتل هو وبضعة وعشرون، الراية الكافرة قد سقطت في أول المعركة، وحامل الراية يقتل وهذا ما وضحه قوله تعالى: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ﴾ [آل عمران: 152] فجماعة تقول: لنبق في أرض المعركة، وجماعة تقول: ننسحب. ورأيتم الغنائم فحدث منكم كذا وكذا. فتأتي النكسة، ولو لم يحدث ما حدث لكان من حقكم أن تتشككوا في هذا الدين، إذن فما حدث دليل على صدق هذا الدين، وأنكم إن تخليتم عن منهج من مناهج الله فلا بد أن يكون مآلكم الفشل والخيبة والهزيمة. ﴿ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ﴾ [آل عمران: 152]، فجماعة قالوا: نظل كما أمرنا الرسول، وجماعة قالوا: نذهب إلى الغنائم ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ [آل عمران: 152].
. وما دمتم قد تنازعتم وقالت جماعة: لنتمسك بمواقعنا، وقالت جماعة أخرى: لنذهب إلى الغنائم، إذن فالذي أراد مواصلة القتال إنما يريد الآخرة ولم تلهه الغنائم، والقسم الذي أراد الدنيا قال: لنذهب إلى الغنائم. وفي هذه المسألة قال ابن مسعود رضي الله عنه: والله ما كنت أعلم أن أحدا من صحابة رسول الله يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أحد. أي أنه لم يكن يتصور أن من بين الصحابة من يريد الدنيا، بل كان يظن أنهم جميعا يريدون الآخرة، فلما نزل قول الله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ [آل عمران: 152] عرف ابن مسعود أن من الصحابة من تتقلب به الأغيار. وذلك لا يقدح فيهم لأنهم رأوا النصر، فظنوا أن المسألة انتهت لقد سقطت راية الكفر، وقتل المؤمنون عددا من صناديد قريش. ولقد عفا الله عن المؤمنين وغفر لهم ما بدر منهم من مخالفة لأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -. ﴿ ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ﴾ [آل عمران: 152] نعم لأنكم كنتم مشغولين بقتالهم قبل أن تنظروا إلى الغنائم، فلما نظرتم إلى الغنائم اتجه نظركم إلى مطلوب دنياكم، فانصرفتم عنهم، ولم تجهزوا عليهم ولم تتم لكم هزيمتهم وقهرهم، ﴿ ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ﴾ [آل عمران: 152] وابتلاؤكم في هذه الغزوة إنما هو رياضة وتدريب على المنهج، كأنهم غزوة مقصودة للابتلاء، فترون منها كل ما حدث. وبعد ذلك نجحت التجربة، فبعد هذه المعركة لم ينهزم المسلمون في معركة قط. ولذلك يقولون: الدرس الذي يعلم النصر في الكثير لا يعتبر هزيمة في القليل. والمثال على ذلك: لنفرض أن ولدا من الأولاد رسب سنة، ثم حمل ذلة الرسوب، نجده ينال بسبب ذلك مرتبة متميزة بعد ذلك بين العشرة الأوائل، إذن فالرسوب الأول له كان خيرا. ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ [آل عمران: 152] لأنه كان لكم وجهة نظر أيضا عندما تصورتم أن المعركة انتهت بسقوط راية الكفر ومقتل طلحة بن أبي طلحة ومقتل بعض من الصناديد في معسكر الكفر، فظننتم أن المسألة انتهت، لكن كان يجب أن تذكروا أن الرسول قال لكم: اثبتوا في مراكزكم وأماكنكم حتى لو رأيتمونا نتبع القوم إلى مكة، ولو رأيتموهم يدخلون المدينة. أيوجد تحذير أكثر من ذلك!؟ ﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ [آل عمران: 152] وسبحانه جل وعلا لم يخرجهم من الحظيرة الإيمانية بهذا القول الحكيم. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم... ﴾.