تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.121

إنه في هذه المرة - في غزوة أحد - جاء الكفار بثلاثة آلاف وكان المسلمون قلة، سبعمائة مقاتل فقط، وحتى يبين الحق صدق قضاياه في قوله:

وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا

[آل عمران: 120] وليس المقصود هنا الكيد التبييتي بل عملهم العلني، أي واذكر صدق هذه القضية: ﴿ وإذ غدوت من أهلك ﴾ [آل عمران: 121]، والغدوة هي: أول النهار، والرواح: آخر النهار، والأهل: تطلق ويراد بها الزوجة، والمقصود هنا حجرة عائشة لأن الرسول كان فيها في هذا الوقت الذي أراد فيه كفار قريش أن يثأروا لأنفسهم من قتلى بدر وأسراهم، لقد جمعوا حشودهم، فكل موتور من معركة بدر كان له فرسان وله رجال، حتى أنهم بعد معركة بدر قال زعيمهم أبو سفيان لأصحابه: قل للنساء لا تبكين قتلاكم فإن البكاء يذهب الحزن، فالدموع يسمونها غسل الحزن، أو ذوب المواجيد، فساعة يبكي إنسان حزين يقول من حوله: دعوه يرتاح. فلو حزنت النساء وبكين على قتلى بدر لهبطت جذوة الانتقام لذلك قال أبو سفيان: قل لهن لا يبكين. إنه يريد أن يظل الغيظ في مسألة بدر موجودا إلى أن يأخذوا الثأر. وفعلا اجتمع معسكر الكفر في ثلاثة آلاف مقاتل عند أحد، وبعد ذلك استشار النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة أصحابه وأرسل إلى واحد من أكبر المنافقين هو عبد الله بن أبي سلول، وما استدعاه إلا في هذه المعركة، فقال عبد الله بن أبي بن سلول وأكثر الأنصار: يا رسول الله نحن لم نخرج إلى عدو خارج المدينة إلا نال منا، ولم يدخل علينا عدو إلا نلنا منه، فإنا نرى ألا تخرج إليهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين وأشار آخرون من الصحابة بالخروج إليهم، وقالوا: " يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا، ولم يترك أصحاب هذا الرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وافقهم على ما أرادوا ". فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته فلبس درعه وأخذ سلاحه، وظن الذي ألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج أنهم قد استكرهوه على ما لا يريد فندموا على ما كان منهم، ولما خرج عليهم قالوا: استكرهناك يا رسول الله ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" ما ينبغي لنبي لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل ".

وخرجوا إلى الحرب، وهذا هو الذي يذكر به القرآن صدقا للقضية التي جاءت في الآية السابقة:

وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط

[آل عمران: 120]. اذكر يا محمد: ﴿ وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال.. ﴾ [آل عمران: 121]. و " تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال " أي توطن المؤمنين في أماكن للقتال، وبوأت فلانا يعني: وطنته في مكان يبوء إليه أي يرجع، واسمه وطن لأن الوطن يرجع إليه الإنسان. انظر إلى الدقة الأدائية لقول الحق: ﴿ وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال ﴾ [آل عمران: 121] أي تجعل لهم مباءة ووطنا. وكلمة " مقاعد " أي أماكن للثبات، والحرب كر وفر وقيام، والذي يحارب يثبته الله في المعركة، فكأنه موطن في الميدان، فكأن أمر الرسول إلى المقاتلين يتضمن ألا يلتفت أي منهم إلى موطن آخر غير موطنه الذي ثبته وبوأته فيه أي إن هذا هو وطنك الآن لأن مصيرك الإيماني سيكون رهنا به. إذن فقوله: ﴿ وإذ غدوت من أهلك تبوىء ﴾ [آل عمران: 121] أي توطن " المؤمنين " وتقول لهم: إن وطنكم هو مقاعدكم التي ثبتكم بها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالرماة وأمر عليهم " عبد الله بن جبير " وهم يومئذ خمسون رجلا وقال رسول الله لهم:

" قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ".

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٢٩