تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.190

سبحانه يريد أن يبني التصور الإيماني على جذور ثابتة في النفس البشرية، لأن الإنسان الذي يفاجأ بهذا الكون، وفيه سماء بهذا الشكل: بلا عمد، وتحتها الكواكب، وأرض مستقرة، بالله ألا يفكر فيمن صنع هذا؟ والله لو أن واحدا استيقظ من نومه ووجد سرادقا قد نصب في الميدان ليلا لوقف ليسأل: ما الحكاية؟ فما بالنا بواحد فتح عينيه فوجد هذا الكون المنتظم الذي يعطيه أسباب الحياة؟ ولذلك يجيء في سورة أخرى ليشرح هذه القضية شرحا يجلي لنا قضية الإيمان بالفكر الإنساني، فلا ننتظر الواعظ فقط الذي يأتينا بالرسالة والنبوة ليدل على المنهج المراد لمن خلق، بل يحتم علينا أن نتنبه بالفطرة إلى من خلق، لأننا قلنا من قبل: لو أن إنسانا وقعت به طائرة في صحراء، ولم يجد فيها ماء ولا شجرا ولا أناسا ولأنه مجهد غلبه النوم، فاستيقظ فوجد مائدة عليها أطايب الطعام، بالله قبل أن يمد يده لينتفع بها، ألا يجول فكره فيمن صنع هذه؟ إن دهشته من الحدث تجعله يفكر فيمن جاء بها قبلما يذوق الطعام، رغم أنه جوعان، فكذلك الناس الذين فتحوا عيونهم فوجدوا هذا الكون العجيب، وبعد ذلك لم يدع أحد منهم أنه خلقه، ولو كان أحد قد ادعى أنه خلقه، لكانت المسألة تسهل، لكن أحدا لم يدع صنعه. هذا الكون الذي نراه جميعا بانتظامه الرائع، وقوانينه الثابتة. هل قال أحد: إنني صنعته؟ لا إذن فالذي قال: إنني صنعته تسلم له الدعوة، حتى يأتي واحدا آخر يقول: أنا الذي صنعته. لم يحدث هذا قط برغم وجود الملاحدة والمفترين على الله، ولذلك جاء قوله تعالى:

أمن خلق السماوات والأرض..

[النمل: 60]. كأن الحق يقول: إن لم أكن أنا الذي خلقت فمن الذي خلق إذن؟ ولم يجرؤ أحد على أن ينسب الكون لنفسه لأن الكفار والملاحدة لا يستطيعون خلق شيء تافه من عدم. ومثال ذلك كوب الماء الذي تركه الله ولم يخلقه على الصورة التي هو عليها، كي يصنعوه ليفهموا أن كل شيء تم بخلقه - سبحانه - كوب الماء هذا شيء تافه أترف الحياة، وقبل أن تتم صناعة الكوب كنا نشرب ولم يكن هناك شجر يطرح ويثمر أكوابا بل صنعه إنسان أراد أن يترف الحياة، فإذا كان هذا الشيء الصغير له صانع جال في نواحي علوم شتى وفي المادة، ثم نظر إلى الأرض حتى وجد المادة التي عندما تصهر تعطي هذه الشفافية واللمعان، فجرب في عناصر الأرض فلم يجد إلا الرمل. واكتشف هذه المادة ومزجها بمواد أخرى لصهرها وإذابتها واحتاجت صناعة الكوب إلى معامل وعلماء، كل هذه من أجل الكوب الصغير الذي قد تستغني عنه، انظر ما يحتاجه لصنعه؟ احتاج طاقات جالت في جميع مواد الأرض، وإمكانات صناعية وأناسا يضعون معادلات كيماوية، فما بالنا بالأشياء الأصلية وكم تحتاج؟ إن كل صناعة تحتاج على قدرها، ولم يقل أحد: إنني صنعتها، فيقول الحق: من الذي صنع كل هذا؟ وساعة يطرح سؤالا فهو لا يريد أن يجعل القضية إخبارية منه، وهو القادر أن يقول: أنا الذي خلق السماء والأرض؟ فماذا يفعل المسئول؟ إنه يتخبط في إجابته ثم في النهاية لا يجد إلا الله.

وكأن السائل لا يطرح هذا السؤال إلا إذا وثق أن الإجابة لا تكون إلا على وفق ما يريد

أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به..

[النمل: 60] وجاء بهذه الحاجة المباشرة..

فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة

[النمل: 60] أي أنها تسر النظر بما فيها من خضرة، ونضارة، وطراوة، وظل، وأزهار، وثمار، ولم يختصر الأمر فيقول: " لتأكلوا منها " لأن الذي يأكل هو الذي يملك فقط، لكن جمال المنظر لا يحجزه أحد عن كل من يرى، ويستمتع بما يراه. وكل منا عندما يرى بستانا جميلا يسره منظره، صحيح أنك لا تمد يدك لتأكل منه لأنه ليس ملكك، لكن هل يمنعك أحد أن تمتع به نظرك. وأن تمتع أنفك برائحته الجميلة؟ لا. وهكذا جاء الحق بالنعمة الشائعة لمن يملك ولمن لا يملك فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٣٤