تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.144

ونحن نعرف ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه الأول هو " محمد " ، وله اسم ثان عرفناه من القرآن وجاء في الإنجيل هو " أحمد ":

وإذ قال عيسى ابن مريم يبني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين

[الصف: 6]. وقد ورد اسمه صلى الله عليه وسلم " محمد " في القرآن أربع مرات، و " أحمد " وردت مرة واحدة. والآية التي نحن بصددها، وهي آية ذكر فيها اسم محمد: ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾ [آل عمران: 144]. ولنقرأ قول الحق:

ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما

[الأحزاب: 40]. وقوله تعالى:

والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم

[محمد: 2]. وها هو ذا القول الكريم:

محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا..

[الفتح: 29]. والاسم هو ما وضع علما على المسمى بحيث إذا ذكر الاسم جاء إلى الذهن المسمى، فإذا اشترك اثنان في بيئة واحدة في اسم فلا بد من التمييز بينهما بوصف. فإذا كان في أسرة واحدة ولدان اسم كل واحد منهما محمد، فلا بد أن نميز بين الاثنين بصفة، وفي الريف نجد من يسمى " محمدا الكبير " و " محمدا الصغير ". وكلمة " محمد " وكلمة " أحمد " مشتركتان في أصل المادة لأنهما من " الحاء والميم والدال " فالمادة هي الحمد، إلا أن التوجيه الاشتقاقي في محمد غير التوجيه الاشتقاقي في أحمد، لأن الاسم قبل أن يكون علما إذا خرجت به عن معناه الأصلي، انحل عن معناه الأصلي، وصار علما على الشخص. ولذلك قد نجد رجلا له جارية سوداء فيسميها " قمرا " وقد يكون للرجل عبد شقي فيسميه: " سعيدا ". فإذا صار الاسم علما على شيء فإنه ينتقل من معناه الأصلي ويصير علما على المسمى، لكن الناس حين تسمى أبناءها تلمح التفاؤل في أن يصير المعنى الأصلي واقعا. والدميمة التي يسميها صاحبها " قمرا " افتقدت جمال المسمى، ولذلك فهو يريد لها أن تأخذ جمال الاسم.. وكلمة " محمد " حين ننظر إليها في الاشتقاق نجد أنها ذات يقع عليها الحمد من غيرها، مثلما تقول: فلان مكرم أي وقع التكريم من الغير عليه. وكلمة " أحمد " نجدها ذاتا وقع عليها الحمد لغيرها.

وعندما نقول: مكرم - بضم الميم وفتح الكاف مع تشديد الراء مكسورة - أي وقع التكريم منه لغيره. ونحن عندنا اسمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، في القرآن وكلاهما من مادة " الحمد " ف " محمد " ملحوظ فيه أن الحمد وقع عليه كثيرا من غيره. لكن لو كان المراد أن الحمد وقع عليه دون الكثرة فيه لكان اسم " محمود " هو الذي يطلق عليه فقط. أما " أحمد " فقد قلنا إنه ملحوظ فيها أن الحمد وقع منه لغيره. و " أحمد " تتطابق مع أفعل التفضيل فنحن نقول: " فلان كريم وفلان أكرم من فلان ". إذن ف " أحمد " أي وقع منه الحمد لغيره كثيرا، فلو كان الحمد قد وقع منه بقدر محدود لقلنا " حامد ". إذن ف " أحمد " مبالغة في " حامد " وقع منه الحمد لغيره كثيرا فصار أحمد. و " محمد " مبالغة في " محمود " ، وقع عليه الحمد من غيره كثيرا فصار محمدا. إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم جمع له الله بين الأمرين فهو محمد من الله وحامد لله لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الله له بين مقامين: مقام الاصطفاء ومقام المجاهدة، فبالاصطفاء كان " محمدا " و " محمودا " ، وبالمجاهدة كان " حامدا " و " أحمد ". إذن نحن هنا أمام مقامين اثنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" أنا محمد وأحمد والمقفى والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة ".

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٥٨