3.15
وحين تسمع كلمة " أؤخبركم " فما نسمعه بعد ذلك كلام عادي، أما عندما نسمع " أؤنبئكم " فما نسمعه بعدها هو خبر هائل لا يقال إلا في الأحداث العظام، فلا يقول أحد لآخر: سأنبئك بأنك ستأكل كذا وكذا في الغداء، ولكن يقال " أنا أنبئك بأنك نلت جائزة كبرى " ، هذا في المستوى البشري فما بالنا بالله الخالق الأعلى، ولذلك يقول الله الحق:
عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم
[النبأ: 1-2]. إنه الأمر الذي يقلب كيان هذه الدنيا كلها، فحين يقول الحق: ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ﴾ [آل عمران: 15] فمعنى ذلك أن الله يخبرنا بخير من هذه الأشياء، ومن ذلك نعرف أن الله قد جعل هذه الأشياء مقياسا، لماذا؟ لأنه مقياس محس، وأوضح لنا كيفية التصعيد فقال: ﴿ للذين اتقوا عند ربهم ﴾ [آل عمران: 15] والمؤمن هو من ينظر بثقة إلى كلمة " عند ربهم " أي الرب المتولي التربية والذي يتعهد المربى حتى يبلغه درجة الكمال المطلوب منه. والعندية هنا هي عند الرب الأعلى. فماذا أعد المربي الأعلى للمتقين؟ لقد أعد لهم ﴿ جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ [آل عمران: 15] ولنر الخيرية في هذه الجنات، وهي تقابل في الدنيا الحرث والزرع، وقد قلنا: إن الحق حين تكلم عن الزرع تكلم واصفا له ب " الحرث " لنعرف أن الزرع يتطلب منا حركة وعملا. أما في الآخرة فالجنات جاهزة لا تتطلب من المؤمن حركة أو تعبا، ولا يقف الأمر عند ذلك، بل إن هذه الجنات تجري من تحتها الأنهار وفيها للإنسان المؤمن ما وعده الله به: ﴿ خالدين فيها وأزواج مطهرة ﴾ [آل عمران: 15] إنه الخلود الذي لا يفنى، ولا يترك الإنسان ولا يترك هو الإنسان. والأزواج المطهرة هي وعد من الله للمؤمنين، ومن يحب النساء في الدنيا يعرف أن المرأة في الدنيا يطرأ عليها أشياء قد تنفر، إما خلقا تكوينيا، وإما خلقا، فهناك وقت لا يحب الرجل أن يقرب فيه المرأة، وقد يكون فيها خصلة من الخصال السيئة فيكره الإنسان جمالها. لذلك فالرجل قد ينخدع بالمظهر الخارجي للمرأة في الدنيا، وقد يقع الإنسان في هوى واحدة فيجد فيها خصلة تجعله يكرهها، أما في الآخرة فالأمر مختلف، إنها " أزواج مطهرة " أي مطهرة من كل عيب يعيب نساء الدنيا، فيأخذ المؤمن جمالها، ولا يوجد فيها شرور الدنيا، فقد طهرها الله منها. " أزواج مطهرة " من الذي طهرها؟ إنه هو الله - سبحانه - طهرها خلقا وخلقا. فالرجل في الدنيا قد يهوى امرأة، وتستمر نضارتها خمسة عشر عاما تستميله وتجذبه، ثم تبدأ التجاعيد والترهل والتنافر.
أما في الآخرة فالمرأة مطهرة من كل شيء، وتظل على نضارتها وجمالها إلى الأبد، أليس هذا تصعيدا للخير؟ ونلاحظ أن الحق سبحانه ذكر هنا أمرين: الأمر الأول: هو جنات تجري من تحتها الأنهار، ونقارن بينها وبين الحرث في الدنيا. والأمر الآخر: هو الأزواج المطهرة، ونقارن بينها وبين النساء في الدنيا أيضا، ولم يورد الحق أي شيء عن بقية الأشياء، فأين القناطير المقنطرة من الذهب؟ وأين الخيل؟ وأين الأنعام وأين البنون؟ إننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى جعل الأمرين المزينين، واحدا يستهل به الآية، والأمر الآخر يأتي في آخر الآية، ولنقرأ الآية التي فيها التزيين: ﴿ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ﴾ [آل عمران: 15]. إن البداية هي النساء، ذلك هو القوس الأول، والنهاية هي الحرث وذلك هو القوس الثاني، وبين القوسين بقية الأشياء المزينة، وقد أعطانا الله عوض القوسين وأوضح لنا إنهما هما الخير المصعد، ولم يورد بقية الأشياء المزينة، وهذا يعني أن نفهم ذلك في ضوء أن الرزق ما به انتفع، أي أن كل ما ينتفع به الإنسان رزق، الخلق الطيب رزق سماع العلم رزق، أدب الإنسان رزق، حلم الإنسان رزق، صدق الإنسان رزق، لكن الرزق يأتي مرة مباشرا بحيث تنتفع به مباشرة، ومرة أخرى يأتي الرزق لكنه لا ينفع مباشرة، بل قد يكون سببا ووسيلة لما ينفع مباشرة. مثال ذلك الخبز، إنه رزق مباشر، والنقود هي رزق، لكنها رزق غير مباشر لأن الإنسان قد يكون جائعا وعنده جبل من ذهب، فلو قال واحد لهذا الإنسان: خذ رغيفا مقابل جبل الذهب. سيعطي الإنسان الجائع جبل الذهب مقابل الرغيف لأن الإنسان لا يأكل الذهب، وكذلك كوب الماء بالنسبة للعطشان. إذن فهناك رزق لا يطلب لذاته، ولكن يطلبه الإنسان لأنه وسيلة لغيره - فالوسيلة لغيره أنت لن تحتاج إليها في الآخرة لأنك ستعيش ببدل الأسباب بقول الحق: " كن " فالإنسان لن يحتاج في الجنة إلى مال. أو قناطير مقنطرة من الذهب والفضة لأن كل ما تشتهيه النفس ستجده، ولن تحتاج في الآخرة إلى خيل مسومة لأنك لن تجاهد عليها أو تتلذذ وتستأنس بركوبها. وكل ما لا تحتاج إليه في الآخرة من أشياء أعطاها لك الله في الدنيا لتسعى بها في الأسباب، ولم يورده الله في قوله: ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ﴾ [آل عمران: 15] لم يوردها في النص الكريم، لأن عطاء الله في الآخرة بالرزق المباشر، أما الأشياء التي يسعى بها الإنسان إلى الرزق المباشر في الدنيا فلم يوردها لعدم الحاجة إليها في الآخرة، فنحن نحب المال، لماذا؟ لأنه يحقق لنا شراء الأشياء، والخيل المسومة نحبها لأنها تحقق لنا القدرة على القتال والجهاد في سبيل الله.