تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فماذا قالوا له؟ قالوا له: لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا - أي قوما من غمار الناس لم يجربوا الأمور - لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فأنزل الله قوله: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون... ﴾ [آل عمران: 12] إلخ الآية. والمهاد هو ما يمهد عادة للطفل حتى ينام عليه نوما مستقرا أي له قرار، وكلمة " بئس المهاد " تدل على أنهم لا قدرة لهم على تغيير ما هم فيه، كما لا قدرة للطفل على أن يقاوم من يضعه للنوم في أي مكان. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة... ﴾.

3.13

وحين يقول الحق: ﴿ قد كان لكم آية ﴾ [آل عمران: 13]. فمن المخاطب بهذه الآية؟ لا شك أن المخاطب بهذه الآية كل من كانت حياته بعد هذه الواقعة، سواء كان مؤمنا أو كافرا، فالمؤمن تؤكد له أن نصر الله يأتي ولو من غير أسباب، والكافر تأتي له الآية بالعبرة في أن الله يخذله ولو بالأسباب، إن الله جعل من تلك الموقعة آية. والآية هي الشيء العجيب أي إن واقعه ونتائجه لا تأتي وفق المقدمات البشرية. نعم هذا خطاب عام لكل من ينتسب إلى أي فئة من الفئتين المتقاتلين، سواء كانت فئة الإيمان أو فئة الكفر. ففئة الإيمان لكي تفهم أنه ليست الأسباب المادية هي كل شيء في المعركة بين الحق والباطل، لأن لله جنودا لا يرونها. وكذلك يخطئ هذا الخطاب فئة الكافرين فلا يقولون: إن لنا أسبابنا من عدد وعدة قوية، فقد وقعت المعركة بين الحق والباطل من قبل وقد انتصر الحق. وكلمة " فئة " إذا سمعتها تصورت جماعة من الناس، ولكن لها خصوصية فقد توجد جماعة ولكن لكل واحد حركة في الحياة. ولكن حين نسمع كلمة " فئة " فهي تدل على جماعة، وهي بصدد عمل واحد. ففي غير الحرب كل واحد له حركة قد تختلف عن حركة الآخر. ولكن كلمة " فئة " تدل على جماعة من الناس لها حركة واحدة في عمل واحد لغاية واحدة. ولا شك أن الحرب تصور هذه العملية أدق تصوير، بل إن الحرب هي التي توحد كل فئة في سبيل الحركة الواحدة والعمل الواحد للغاية الواحدة لأن كل واحد من أي فئة لا يستطيع أن يحمي نفسه وحده، فكل واحد يفئ ويرجع إلى الجماعة، ولا يستطيع أن ينفصل عن جماعته. ولكن الفرد في حركة الحياة العادية يستطيع أن ينفصل عن جماعته. إذن فكلمة " فئة " تدل على جماعة من الناس في عملية واحدة، وتأتي الكلمة دائما في الحرب لتصور كل معسكر يواجه آخر. وحين يقول الحق: ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ [آل عمران: 13] أي أن هناك صراعا بين فئتين، ويوضح الحق ماهية كل فئة فيقول: ﴿ فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ﴾ [آل عمران: 13]. وحين ندقق النظر في النص القرآني، نجد أن الحق لم يورد لنا وصف الفئة التي تقاتل في سبيل الله ولم يذكر أنها فئة مؤمنة، وأوضح أن الفئة الأخرى كافرة، وهذا يعني أن الفئة التي تقاتل في سبيل الله لابد أن تكون فئة مؤمنة، ولم يورد الحق أن الفئة الكافرة تقاتل في سبيل الشيطان اكتفاء بأن كفرها لابد أن يقودها إلى أن تقاتل في سبيل الشيطان.

لقد حذف الحق من وصف الفئة الأولى ما يدل عليه في وصف الفئة الثانية. وعرفنا وصف الفئة التي تقاتل في سبيل الله من مقابلها في الآية وهي الفئة الأخرى. فمقابل الكافرة مؤمنة، وعرفنا - أيضا - أن الفئة الكافرة إنما تقاتل في سبيل الشيطان لمجرد معرفتنا أن الفئة الأولى المؤمنة تقاتل في سبيل الله. ويسمون ذلك في اللغة " احتباك ". وهو أن تحذف من الأول نظير ما أثبت في الثاني، وتحذف من الثاني نظير ما أثبت في الأول، وذلك حتى لا تكرر القول، وحتى توضح الالتحام بين القتال في سبيل الله والإيمان، والقتال في سبيل الشيطان والكفر. إذن فالآية على هذا المعنى توضح لنا الآتي: لقد كان لكم آية، أي أمر عجيب جدا لا يسير ولا يتفق مع منطق الأسباب الواقعية في فئتين، فعندما التقت الفئة المؤمنة في قتال مع الفئة الكافرة، استطاعت الجماعة المؤمنة المحددة بالغاية التي تقاتل من أجلها - وهي القتال في سبيل الله - أن تنتصر على الفئة الكافرة التي تقاتل في سبيل الشيطان. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ يرونهم مثليهم رأي العين ﴾ [آل عمران: 13] فنحن أمام فئتين، فمن الذي يرى؟ ومن الذي يرى؟ ومن الرائي ومن المرئي؟ إن كان الرائي هم المؤمنين فالمرئي هم الكافرون. وإن كان الرائي هم الكافرين فالمرئي هم المؤمنون ولنر الأمر على المعنيين: فإن كان الكافرون هم الذين يرون المؤمنين، فإنهم يرونهم مثليهم أي ضعف عددهم، وكان عدد الكافرين يقرب من ألف. إذن فالكافرون يرون المؤمنين ضعف أنفسهم، أي ألفين. وقد يكون المعنى مؤديا إلى أن المؤمنين يرون الكافرين ضعف عددهم الفعلي. وقد يؤدى المعنى الى أن الكافرين يرون المؤمنين ضعف عددهم وكان عدد المؤمنين يقرب من ثلاثمائة وأربعة عشر، وضعف هذا العدد هو ستمائة وثمانية وعشرون مقاتلا. فأن أخذنا معنى " مثليهم " على عدد المؤمنين، فالكافرون يرونهم حوالي ستمائة وثمانية وعشرين مقاتلا، وإن أخذنا معنى " مثليهم " على عدد الكافرين فالكافرون يرون المؤمنين حوالي ألفين. وما الهدف من ذلك؟ إن الحق سبحانه يتكلم عن المواجهة بين الكفر والإيمان حيث ينصر الله الإيمان على الكفر. وبعض من الذين يتصيدون للقرآن يقولون: كيف يقول القرآن: ﴿ يرونهم مثليهم رأي العين ﴾ [آل عمران: 13] وهو يقول في موقع آخر:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٥