تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.191

إنهم يقولون: ﴿ ربنآ ما خلقت هذا باطلا.. ﴾ [آل عمران: 191] لأنك حق، وخلقت السماوات والأرض بالحق، ووضعت لها نواميسها وقوانينها بالحق، فيجب أن نستقبل النعمة التي خلقتها لنا بالحق. فإن استقبلها بعض الناس بغير الحق، فإنها تكون وبالا عليهم. ويقال: إن المؤمن الصادق في بني إسرائيل قبل رسالة عيسى عليه السلام كان إذا عبد الله بإخلاص ثلاثين سنة فإن غمامة تظله حيث سار. فكانوا عندما يرون واحدا من هؤلاء يسير تظلله غمامة، فهم يعرفون أنه عبد الله بإخلاص ثلاثين عاما. وعبد واحد منهم الله ثلاثين سنة ولم ير السحابة تظلله، فشكا ذلك لأمه فقالت له: لعل شيئا فرط منك. فقال لها: يا أماه لا أذكر. فقالت له: لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تفكر. فقال لها: لعل ذلك حدث. فقالت: الذي يأتيك من ذاك. وهذه القصة تذكرنا بضرورة التفكير في الله دائما. ويروى عن سيدنا الإمام علي - رضي الله عنه وكرم الله وجهه - أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا استيقظ في الليل، استاك، ثم نظر إلى السماء. إذن فالنظر إلى السماء هو النظر إلى العلو. والنظر إلى الأرض أيضا هو تأمل في حكمة الخالق، لكن النظرة إلى السماء تجعل الإنسان يفطن إلى علو الخالق. ولذلك فالعربي الذي استلقى على ظهره نائما، واستيقظ ففطن إلى لون السماء الأزرق البديع، والنجوم تتلألأ فيها فقال: أشهد أن لك ربا وخالقا، اللهم اغفر لي. ولقد عرف الرجل متى يدعو الله وكيف يدعو، لذلك غفر الله له. وفيما روت كتب السيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جاء ليلة ونام، وكانت ليلة عائشة رضوان الله عليها. قالت عائشة لعبد الله بن عمر رضوان الله عليه. فنام بجواري حتى مس جلدي جلده، ثم قال:

" يا عائشة هل تأذنين لي الليلة في عبادة ربي "

لقد استأذن منها رسول الله في حقها لأن الليلة ليلتها. وأضافت عائشة: يا رسول الله أنا أحب قربك وأحب هواك، وقد أذنت لك. لقد احتاطت الاحتياط الجميل، فهي تحب الرسول، وتقول: " وأنا أحب قربك " وهذا القول له معنى جميل، وحدث أن قال بعض المتنطعين على دين الله: إن رسول الله كان كبير السن بفارق كبير بينه وبين عائشة، وقولها ذلك إنما عن زهد فيه. لكنها عائشة - رضي الله عنها - ردت على ذلك من قبل أن يقال. فقالت: يا رسول الله أنا أحب قربك وأحب هواك وقد أذنت لك. وهذا درس يعطيه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نتعلم كيف نعامل أهلنا، حتى ولو كان الأمر الذي يشغلنا عنهم هو العبادة، وهو لا يريد أن ينشغل المؤمن عن رعاية أهله بعد أداء ما عليه من فروض، حتى ولو كان عبادة إلا بعد استئذان الأهل.

لماذا؟ لأن الله طلب من الزوجة في العبادة غير المفروضة ألا تتطوع حتى تستأذن زوجها. فالزوجة إن صلت تطوعا، أو صامت تطوعا لا بد أن تستأذن زوجها، فإن أذن لها، فبها، وإن لم يأذن فليس لها أن تقوم بهذه العبادة غير المفروضة. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" خيركم.. خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ".

لأن الزوج حين يقرب زوجته فهو يريد أن يعفها عن التطلعات البشرية لذلك فعندما تريد الزوجة أن تأخذ وقتها وخصوصا إن كان لها ضرائر، فهذا الوقت حق لها. فإن أراده الزوج للعبادة غير المفروضة فعليه أن يستأذن. وقد تكون الحالة النفسية للمرأة في عدم وجود ضرائر أكثر قدرة على قبول استئذان الزوج لها ليتفرغ للعبادة. ولذلك فأنت ترى من أهل الفتوى الإيضاح الناجح لمثل هذا الأمر. لقد ذهبت امرأة تشكو زوجها لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكان مضمون الشكوى أن زوجها لا يقربها، وكان مع عمر صحابي جليل. فقال له عمر ابن الخطاب: أفتها. فقال الصحابي للزوج: يا هذا سنفرض أنك تزوجت أربعا، فلزوجتك إذن ليلة بعد كل ثلاث ليال. وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد استأذن عائشة في عبادة ربه، فهذا معناه درس للأزواج أن يحسنوا معاملة الأهل إحسانا لا يجعل للمرأة تطلعا. لكننا نجد أناسا لا يستأذنون أهلهم لا في العبادة، ولا حتى في سهرات المعصية. وهذا ما يفسد البيوت والأسر. إن ما يفسد البيوت أن يكون الزوج مشغولا عن الزوجة، ويذهب إلى أصحابه في المقهى أو في مكان آخر. ولا يهتم بأفراد أسرته. لماذا لا يذهب إلى منزلة ليؤانس أهله؟ وليشبع رغبتهم ويجلس مع زوجته وأهله وأولاده وبذلك تطمئن الزوجة أن رجلها معها وليس في مكان آ خر، وذلك حتى تستقر الأمور. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن عائشة رضي الله عنها فتأذن له. قالت عائشة رضوان الله عليها:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٣٨