تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.178

وعندما نسمع قول الله: " ولا يحسبن " فهو نهي، وقد نهى الله الكافرين عن ماذا؟ إن الكافر عندما يجد نفسه قد أفلت في المعركة من سيف المؤمنين وأن عمره قد طال في الكفر، فهو يظن أن الحق سبحانه وتعالى تركه لخير له لأنه يفهم أن عمره هو أثمن شيء عنده، فما دام قد حوفظ له على عمره فهو الخير. نقول لمثل هذا الكافر: إن العمر زمن، والزمن وعاء الأحداث، إذن فالزمن لذاته لا يمجد إلا بالحدث الذي يقع فيه، فإن كان الحدث الذي يقع في الزمن خيرا فالزمن خير. وإن كان الحدث الذي يقع في الزمن شرا، فالزمن شر، وما دام هؤلاء كافرين، فلا بد أن كل حركاتهم في الوجود والأحداث التي يقومون بها هي من جنس الشر لا من جنس الخير، لأنهم يسيرون على غير منهج الله. وربما كانوا على منهج المضادة والمضارة لمنهج الله. وذلك هو الشر. إذن فالله لا يملي لهم بقصد الخير، إنما يملي الله لهم لأنهم ما داموا على الكفر فهم يشغلون أوقات أعمارهم بأحداث شرية تخالف منهج الله. وكل حدث شرى له عذابه وجزاؤه. إذن فإطالة العمر لهم شر. والحق سبحانه يقول: ﴿ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم ﴾ [آل عمران: 178] و " يحسبن " هي فعل مضارع، والماضي بالنسبة له هو " حسب " - بكسر السين - ولذلك قال الحق سبحانه في موقع آخر من القرآن الكريم:

أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون

[العنكبوت: 2]. إن الماضي هو " حسب " - بكسر السين - والمضارع " يحسب " - بفتح السين -. أما حسب " يحسب " - بكسر السين - في المضارع وفتحها في الماضي فهي من الحساب والعدد، وهو عدد رقمي مضبوط. أمر " حسب " و " يحسب " فتأتي بمعنى الظن، والظن كما نعرف أمر وهمي، والحق سبحانه يذكرهم أن ظنونهم بأن بقاء حياتهم هو خير لهم ليست حقا. بل هي حدس وتخمين لا يرقى إلى اليقين. صحيح أن العمر محسوب بالسنوات لأن العمر طرف للأحداث، والعمر بذاته - مجردا عن الأحداث - لا يقال إن إطالته خير أو شر، وإنما يقال: إن العمر خير أو شر بالأحداث التي وقعت فيه، والأحداث التي تقع من الكافر تقع على غير منهج إيماني فلا بد أن تكون شرا، حتى ولو فعل ما ظاهره أنه خير فإنه يفعله مضارة لمنهج الله. فلو كانت المسألة بالعملية الرقمية لقلنا: " حسب " و " يحسب " - بفتح السين في الماضي وكسر السين في المضارع - لكن هي مسألة وهمية ظنية لذلك نقول " يحسب " - بفتح السين في المضارع - أي يظن.

وهو سبحانه يقول: ﴿ إنما نملي لهم ﴾ [آل عمران: 178] ما الإملاء؟ الإملاء هو تمديد الوقت وإطالته. ولذلك نجد في القرآن:

قال أراغب أنت عن آلهتي يإبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا

[مريم: 46]. إنه يأمر سيدنا إبراهيم أن يهجره مدة طويلة. هذا هو معنى " واهجرني مليا ". والمقصود هنا أن إطالة أعمارهم بعد أن أفلتوا من سيوف المؤمنين. ليست خيرا لهم ولا يصح أن يظنوا أنها خير لهم، لأن الله إنما يملي لهم " ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين " وهنا نجد " لام العاقبة ". وإياك أن تقول أيها المؤمن: إن الله قد فعل ذلك ليعاقبهم. لا لأن الله سبحانه وتعالى قد وضع سننه في الكون ويطبقها على من يخرج على منهجه، فمن يصنع إثما يعاقبه الله عليه ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ﴾ [آل عمران: 178] فكل ظرف من الزمن يمر عليهم يصنعون فيه أعمالا آثمة على غير المنهج. ﴿ ولهم عذاب مهين ﴾ [آل عمران: 178] وتأتي كلمة " مهين " وصفا للعذاب مناسبة تماما لأن الكافر قد يخرج من المعركة وقد تملكه الزهو والعجب بأن أحدا لم يستطع أن يقطع رقبته بالسيف، ويتيه بالعزة الآثمة، لذلك فالإيلام هنا لا يكفي، لأنه قد يكتم الألم ويتجلد عليه، ولكن العذاب عندما يكون مهينا فهو العقاب المناسب لمثل هذا الموقف. والمتكلم هنا هو الله، وسبحانه العليم بالمناسب لكل حال. ومن بعد ذلك يقول الحق: ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨١٠