3.117
إن الحق يصف ما ينفقه هؤلاء الكافرون في أثناء الحياة الدنيا وهم بعيدون عن منهج الله إنه - سبحانه - يشبهه بريح فيها صر، أي شدة، فمادة " الصاد والراء " تدل على الشدة والضجة والصخب، ومثال ذلك ما قاله الحق عن امرأة إبراهيم:
فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم
[الذاريات: 29]. إنها أتت وجاءت بضجيج لأنها عجوز وعقيم ويستحيل عادة أن تلد. ومثل قوله الحق:
وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية
[الحاقة: 6]. والريح الصرصر هي التي تحمل الصقيع ولها صوت مسموع. وقوله الحق: ﴿ كمثل ريح فيها صر ﴾ [آل عمران: 117] أي أن الريح جعلت البرد شائعا وشديدا، فالبرد قد يكون في منطقة لا ريح فيها، ويظل باقيا في منطقته تلك، وعندما تأتي الريح فإنها تنقل هذا البرد من مكان إلى مكان آخر، فتتسع دائرة الضرر به. وماذا تفعل الريح التي فيها شدة برد؟ إنها تفعل الكوارث، ويقول عنها الحق: ﴿ أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ﴾ [آل عمران: 117] وساعة نسمع كلمة " حرث " فنحن نعرف أنه الزرع، وقد سماه الله حرثا، ليعرف الإنسان إنه إن لم يحرث فلن يحصد، يقول الحق:
أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون
[الواقعة: 63-65]. كأن الريح العارمة تفسد الحرث، وهو العملية اللازمة للإنبات فالحرث إثارة للأرض، أي جعل الأرض هشة لتنمو فيها الجذور البسيطة، وتقوى على اختراقها، وأخذ الغذاء منها، وهذه الجذور تستطيع - أيضا - من خلال هشاشة الأرض المحروثة أن تأخذ الهواء اللازم للإنبات. إن الحق سبحانه يريد أن يضرب لنا المثل وهو عن جماعة غير مؤمنين أنفقوا أموالهم في الخير، لكن ذلك لا ينفعهم ولا جدوى منه. مصداقا لقوله تعالى: ﴿ كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ﴾ [آل عمران: 117] وهكذا يكون مصير الإنفاق على نية غير مؤمنة، كهيئة الحرث الذي هبت عليه ريح فيها صوت شديد مصحوب ببرد، فال " صر " فيه الشدة والبرودة والعنف، وحاتم الطائي كريم العرب يقول لعبده:
أوقد فإن الليل ليل قر
والريح يا غلام ريح صر
عل يرى نارك من يمر
إن جلبت ضيفا فأنت حر
إن هذا الرجل الكريم يطلق سراح العبد إذا ما هدى ضيفا إلى منزل حاتم الطائي. " والليل القر ": هو الليل الشديد البرودة. و " الريح الصر ": هي الريح الشديدة المصحوبة بالبرد. ونعرف في قرانا أن الصقيع ينزل على بعض المزروعات، فيتلفها. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه قد جاء بهذه الآية الكريمة بعد أن أوضح لنا في الآية السابقة عليها أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا ومصيرهم النار، وهو سبحانه يدفع أي شبهة تطرأ على السامع، وهي أن هذه الأموال التي أنفقها الكافرون لعمل الخير، لن تغني عنهم شيئا في الآخرة لأنهم لا يملكونها.
لماذا؟ لأن العمل إنما يراد للثواب عليه، والنية دائما هي التي تحدد الهدف من كل حركة.. فهل كان في نية الكفار حين أنفقوا أموالهم في الخير الذي يعلمه الناس كالمساعدات، وتفريج الكرب، وإنشاء المستشفيات هل كان في بال هؤلاء الكفار رب هذه النعم، أو كانوا يعملونها طمعا في جاه الدنيا، وتقدير التاريخ وذكر الإنسانية؟ لا شك أنهم كانوا يعملونها للجاه، أو للتاريخ، أو للإنسانية لأنهم لا يؤمنون بما وراء ذلك، فهم لا يؤمنون بوجود إله ولا يؤمنون بوجود يوم آخر يحاسبون فيه على ما قدموا. وقلنا من قبل: إن الذي يعمل عملا فليطلب أجره ممن عمل له، وما داموا قد عملوا للدنيا وذكرها، وجاهها، والفخر فيها، فقد أعطتهم الدنيا كل شيء. الحق سبحانه وتعالى يضرب لنا مثلا، وهو الذي يضرب الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومعنى المثل: أن يأتي إلى أمر معنوي قد يغيب عن بعض العقول فهمه، فيشخصه ويمثله بأمر حسي يعرفه الجميع، ونحن نعرف أن المحسات هي أصل المعنويات في الفهم. ونعرف أن الطفل أول ما تتفتح إدراكاته يدرك الشيء المحس أولا، ثم بعد ذلك يكون من المحسات المعقولات. فالطفل - على سبيل المثال - يرى نارا فيمسكها فتحرقه، فيتكون عند الطفل اقتناع بأن النار محرقة. ويشرب الطفل عسلا، فيجده حلوا، فيتكون عنده اقتناع بأن العسل حلو الطعم، ويأكل الطفل شيئا مرا كالحنظل، فتتكون عنده قضية معلومة وهي أن هذا الشيء مر الطعم، فكل المعلومات التي يعرفها الإنسان بوسائل إدراكه المتعددة إنما تأتي من الأمور المحسة أولا. والأمور المحسة - كما علمنا - وسائلها الحواس الخمس الظاهرة، وهي: العين لترى، والأذن لتسمع، والأنف ليشم، واللسان ليذوق، والأنامل لتلمس، وهكذا نعرف أن كل حاسة ظاهرة لها غاية في الإدراك. والإنسان يتمتع بحواس أخرى ندرك أعمالها، ولكنا لا ندرك أجهزتها أو آلاتها. مثال ذلك: حاسة البعد وهي أن يعرف الإنسان هل الشيء الذي يراه قريب منه أو بعيد عنه؟ وكذلك حاسة الثقل فيحمل الإنسان الشيء فيعرف مدى ثقله، إنه يدرك ذلك الثقل بحاسة غير الحواس الخمس الظاهرة، هذه الحاسة هي حاسة الثقل يكتشف بها الإنسان أن شيئا أثقل من شيء آخر ذلك أن العضلات التي تحمل الشيء تعرف قدر الجهد المبذول في الحمل. وهناك حاسة أخرى غير ظاهرة هي حاسة " البين " فيمسك الإنسان القماش بأنامله ليعرف هل سمك هذا القماش أكبر من سمك قماش آخر؟ ولمعرفة سمك الشيء لا بد أن يكون واقعا بين لامسين.