وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم
[الأعراف: 200]. إن الشيطان يرتعد فرقا ورعشة من الاستعاذة بالله. وعندما يتكرر ارتعاد الشيطان بهذه الكلمة فإنه يعرف أن هذا الإنسان العابد لن يحيد عن طاعة الله إلى المعاصي.
وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يجيء الرجل امرأته، ومجيء الأهل هو مظنة لمولود قد يجيء، فيقول العبد: " اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني " من دعاء رسول الله. إن من يقول هذا القول قبل أن يحدث التخلق " فلن يكون للشيطان ولاية أو قدرة على المولود الذي يأتي بإذن الله ". ولذلك قالت إمرأة عمران: ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ [آل عمران: 36]. والذرية قد يفهمها الناس على أنها النسل المتكاثر، ولكن كلمة " ذرية " تطلق على الواحد وعلى الاثنين، وعلى الثلاثة أو أكثر. والذرية هنا بالنسبة لمريم عليها السلام هي عيسى عليه السلام، وتنتهي المسألة. وبعد دعاء إمرأة عمران ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ [آل عمران: 36] يجيء القول الحق: ﴿ فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا... ﴾.
3.37
وقد عرفنا القبول الحسن والإنبات الحسن، أما قوله الحق: ﴿ وكفلها زكريا ﴾ [آل عمران: 37] فهذا يعني أن المسألة جاءت من أعلى، إنه الرب الذي تقبل بقبول حسن، وهو الذي أنبتها نباتا حسنا. إذن، فرعاية زكريا لها إنما جاءت بأمر من الله. والدليل على ما حدث عند كفالة مريم. لقد اجتمع كبار القوم رغبة في كفالتها وأجروا بينهم قرعة من أجل ذلك. وساعة تجد قرعة، أو إسهاما. فالناس تكون قد خرجت من مراداتها المختلفة إلى مراد الله. فعندما نختلف على شيء فإننا نجري قرعة، ويخصص سهم لكل مشترك فيها، ونرى بعد ذلك من الذي يخرج سهمه، ويلجأ الناس لهذا الأمر ليمنعوا هوى البشر عن التدخل في الاختيار، ويصبح الأمر خارجا عن مراد البشر إلى مراد الله سبحانه وتعالى، وهذا ما حدث عند كفالة زكريا لمريم. ولذلك فالحق يقول لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون
[آل عمران: 44]. إذن فالكفالة لمريم أخذت لها ضجة، وهذا دليل على أنهم اتفقوا على إجراء قرعة بالنسبة لكفالتها، ولا يمكن أن يكونوا قد ذهبوا إلى هذه القرعة إلا إذا كان قد حدث تنازع بينهم، عن أيهم يكفل مريم، ومن فضل الله أن زكريا عليه السلام كان متزوجا من " إشاع " " أخت " " حنة " وهي أم مريم، فهو زوج خالتها. وكلمة " أقلامهم " قال فيها المفسرون: إنها القداح التي كانوا يصنعونها قديما، أو الأقلام التي كتبوا بها التوراة، فرموها في البحر، فمن طفا قلمه لم يأخذ رعاية مريم، ومن غرق قلمه في البحر فهو الذي فاز بكفالة مريم. إذن فهم قد خرجوا عن مراداتهم إلى مراد الله. والخروج عن المرادات، والخروج عن الأهواء بجسم ليس له اختيار - كقداح القرعة - لا يوجد في النفس غضاضة. لكن لو كان هناك من سيأخذ رعاية مريم بالقوة والغصب فلا بد أن يجد نفوس الآخرين وقد امتلأت بالمرارة أو الغضب. ولذلك فقد كان سائدا في ذلك العصر عملية إجراء السهام إذا ما خافوا أن يقع الظلم على أحد أو أن يساء الظن بأحد، وهناك قصة سيدنا يونس عندما قاربت السفينة على الغرق، وكان لا بد لإنقاذها أن ينزل واحد إلى البحر، وجاء القول الحكيم:
وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم * فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون
[الصافات: 139-144].
كان لا بد أن ينزل واحد من تلك السفينة، لذلك تم إجراء قرعة بالسهام حتى لا تقوم معركة بين الموجودين على ظهر السفينة، وحتى لا تكون الغلبة للأقوياء، ولكن القرعة حمت الناس من ظلم بعضهم بعضا. قالوا: لنجر قرعة السهام، فمن يخرج سهمه فهو الذي يلقى به، وكان على يونس عليه السلام أن ينزل إلى اليم فيلتقمه الحوت. ولأنه من المسبحين فإن الله ينقذه. لقد قبل يونس عليه السلام اختيار الله ولم ينس تسبيح الله فكان في ذلك الإنقاذ له. وهكذا نقرأ قول الله لنفهم أن كفالة زكريا كانت باختيار الله. ﴿ فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا ﴾ [آل عمران: 37]. وكلمة " كفلها " أي تولى كل مهمة تربيتها، هذه هي الكفالة، ونحن نعرف أن الكفيل في عرفنا هو الضامن، والضامن هو من يسد القرض عندما يعجز الإنسان عن السداد، وقوله الحق: ﴿ وكفلها زكريا ﴾ [آل عمران: 37] يعطينا المعنى الواضح بأن زكريا عليه السلام هو الذي قام برعاية شئون مريم. ويتابع الحق الكريم قوله: ﴿ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ﴾ [آل عمران: 37] إنه لم يدخل مرة واحدة، بل دخل عليها المحراب مرات متعددة. وكان زكريا عليه السلام كلما دخل على مريم يجد عندها الرزق، ولذلك كان لا بد أن يتساءل عن مصدر هذا الرزق، ولا بد أن يكون تساؤله معبرا عن الدهشة، لذلك يجيء القول الحق على لسان زكريا: ﴿ أنى لك هذا ﴾ [آل عمران: 37]. وساعة أن تسمع " أنى لك هذا؟ " فهذا يدل على أنه قام بعمل محابس على المكان الذي توجد به مريم، وإلا لظن أن هناك أحدا قد دخل على مريم، وكما يقولون: فإن زكريا كان يقفل على مريم الأبواب. وإلا لو كانت الأبواب غير مغلقة لظن أن هناك من دخل وأحضر لها تلك الألوان المتعددة من الرزق. والرزق هو ما ينتفع به - بالبناء للمجهول - وعندما يقول زكريا عليه السلام: ﴿ أنى لك هذا ﴾ [آل عمران: 37]. فلنا أن نتذكر ما قلناه سابقا من أن أي إنسان وكله الله على جماعة ويرى عندهم ما هو أزيد من الطاقة أو حدود الدخل، فلا بد أن يسأل كلا منهم: من أين لك هذا؟ ذلك أن فساد البيوت والمجتمعات إنما يأتي من عدم الإهتمام بالسؤال وضرورة الحصول على إجابة على السؤال المحدد: من أين لك هذا؟ إن الذي يدخل بيته ويجد ابنته ترتدي فستانا مرتفع الثمن ويفوق طاقة الأسرة، أو يجد ابنه قد اشترى شيئا ليس في طاقة الأسرة أن تشتريه، هنا يجب أن يتوقف الأب أو الولي ليسأل: من أين لك هذا؟ إن في ذلك حماية لأخلاق الأسرة من الانهيار أو التحلل.