3.111
لكن الحق سبحانه يطمئن هذه الأقلية من إضرار الأكثرية بهم فيقول: ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ [آل عمران: 111]. أي يا أيتها الأقلية التي آمنت من أهل الكتاب - مثل عبد الله بن سلام الذي أسلم وترك اليهودية - إياكم أن تظنوا أن الأكثرية الفاسقة قادرة على إنزال العذاب بكم فالحق - سبحانه - يعلن أن محاولة الأكثرية لإنزال الضرر بالأقلية التي آمنت منهم لن يتجاوز الأذى. ما هو الضرر؟ وما هو الأذى؟ إن الأذى هو الحدث الذي يؤلم ساعة وقوعه ثم ينتهي، أما الضرر فهو أذى يؤلم وقت وقوعه، وتكون له آثار من بعد ذلك، فعندما يصفع الإنسان إنسانا آخر صفعة بسيطة فالصفعة البسيطة تؤلم، وألمها يذهب مباشرة، لكن إن كانت الصفعة قوية وتتسبب في كدمات وتورم فهذا هو الضرر. إذن فالأذى يؤلم ساعة يباشر الفعل فقط، وقد يكون الأذى بالكلمة كالاستهزاء، فالفاسق قد يستهزئ بالذي آمن، فينطق بكلمة الكفر أو الفجر، هذه الكلمة ليس لها ضرر في ذات المؤمن ولكنها تؤذي سمعه. إن الحق سبحانه يطمئن المؤمنين على أن أهل الكفر لن يضروا المؤمنين إلا أذى، وهذا أقصى ما في استطاعتهم، وليس لهذا الأذى أثر. إذن فقول الحق: ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ [آل عمران: 111] يعني أنهم لن يستطيعوا أن ينالوا منكم أبدا اللهم إلا الاستهزاء أو الغمز واللمز، أو إشارة بحركة تؤذي شعور المؤمن، أو تمجد الكفر، وتعظمه أو بنطق كلمة عهر أو فجر لا يوافق عليها الدين، هذا أقصى ما يستطيعه أهل الفسق، وهم لا يملكون الضرر لأهل الإيمان. وبعد ذلك نرى أن واقع الأمر قد سار على هذا المنوال مع الدعوة المحمدية ومع جنود سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد أطلقها الله كلمة: ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ [آل عمران: 111] فصارت الكلمة قانونا. فقد وقعت الوقائع بين جند رسول الله وأهل الفسق، وثبت أن أهل الفسق لم يستطيعوا ضرر أهل الإيمان إلا أذى. ولننظر إلى ما حدث لبني قينقاع، ولما حدث لبني قريظة، ولما حدث لبني النضير، ولما حدث ليهود خيبر، هل ضروا المؤمنين إلا أذى؟ لقد قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قوما أغرارا لا علم لهم بالحرب فانتصرت عليهم، فإذا أنت حاربتنا فستعرف من الرجال. وكان ذلك مجرد كلام باللسان. إن التاريخ يحمل لنا ما حدث لهم جميعا، لقد هزمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد هذا أرادوا أن يرتفعوا عن الأذى إلى الضرر الحقيقي فلم يمكنهم الله لأن الحق يقول: ﴿ وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ﴾ [آل عمران: 111]، فإن أراد أهل الفسق أن يصعدوا الأذى للمؤمنين ليوقعوا ضررا حقيقيا، فإن الكافرين يولون الأدبار أمام المؤمنين، فهزيمتهم أمر لا مناص منه.
ونحن نعرف في اللغة أن هناك ما نسميه " الشرط " وما نسميه " الجواب " ف " إن " حرف شرط تجزم فعل الشرط وجوابه فإن كان الفعل من الأفعال الخمسة فإننا نحذف النون، لذلك نجد القول الحق: ﴿ وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ﴾ [آل عمران: 111]. إن " يقاتلوكم " فعل شرط محذوفة منه النون. و " يولوكم الأدبار " أصلها يولونكم الأدبار. وهي جواب شرط حذفت منه النون، وعندما يأتي العطف بعد ذلك، فهل يكون بالرفع أو الجزم؟ إن العادة أن يكون العطف بالجزم!! لكن الحق يعطف بالرفع فيأتي قوله: " ثم لا ينصرون ". إنها كسرة إعرابية تجعل الذهن العربي يلتفت إلى أن هناك أمرا جللا، لأن المتكلم هو الله سبحانه. كيف جاءت " النون "؟ هنا نقف وقفة فلننطق الآية ككلام البشر: إن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصروا. وهذا القول يكون تأريخا لمعركة واحدة، لكن ما الذي سوف يحدث من بعد ذلك؟ ماذا يحدث عندما يقاتل المؤمنون أهل الكفر والفسق؟ وتكون الإجابة هي: " ثم لا ينصرون " إن هذا القول الحكيم يحمل قضية بعيدة عن الشرط والجزاء، إنها حكم من الله على أهل الفسق بأنهم لا ينصرون أبدا سواء أقاتلوا أم لم يقاتلوا إنها قضية ثابتة منفصلة، وليست معطوفة على الشرط، فعلة عدم النصر، ليست القتال، ولكنها الكفر. وإذا دققنا الفهم في العبارة حروفا - بعد أن دققنا فيها الفهم جملا - لوجدنا معنى جديدا، فقد يظن إنسان أن القول كان يفترض أن يتأتى على نحو مغاير، هو " يولوكم الأدبار فلا ينصرون " لأن الذي يأتي بعد ال " فاء " يعطي أنهم لا ينتصرون عليكم في بداية عهدكم، وهذا ما تفيده الفاء لأنها للترتيب والتعقيب. لكن الحق أورد حرف " ثم " وهو يفيد التراخي، وهذا يعني أنهم لا ينصرون عليكم أيها المؤمنون حتى لو استعدوا بعد فترة لمعركة يردون بها على توليهم الأدبار. إنه حكم تأبيدي، لأن " ثم " تأتي للتعقيب مع التراخي، والفاء تأتي للتعقيب المباشر بدون تراخ. ولذلك فعندما نقرأ القرآن نجد وضع الفاء كالآتي: