تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن، فثقل النفس البشرية هو ما يوقع الإنسان في الهاوية دون أن يلقيه أحد فيها، ولا إنقاذ للإنسان من الهاوية إلا بالاعتصام بحبل الله. كأن منهج الله هو الحبل الممدود إلينا، فمن يعتصم به ينجو من الهاوية. وما دمنا نعتصم بحبل الله وهو القرآن المنزل من خالقنا والسنة النبوية المطهرة، وسبحانه يعلم كيد النفس لصاحبها - فلا بد أن يهدينا الله إلى الصراط المستقيم. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته... ﴾.

3.102

إن الله قد أعطى المؤمنين المناعة أولا بألا يسمعوا كلام أعداء الدين. وحين نسمع كلمة " اتقوا " فلنفهم أن هناك أشياء تسبب لك التعب والأذى، فعليك أن تجعل بينك وبينها وقاية، ولذلك قال الحق:

واتقوا النار التي أعدت للكافرين

[آل عمران: 131]. إنه الحق يطلب من الإنسان أن يجعل بينه وبين النار وقاية وحجابا يقيه منها. والحق سبحانه وتعالى حين يقول على سبيل المثال:

واتقوا الله إن الله سريع الحساب

[المائدة: 4]. أي اجعل بينك وبين الله حجابا يقيك من غضبه. وقد يقول قائل: كيف يكون ذلك وأنا كمؤمن أريد أن إعيش في معية الله؟ نقول: إنك تجعل الوقاية لنفسك من صفات جلال الله، وأنت تستظل بصفات الجمال، فالمؤمن الحق هو من يجعل لنفسه وقاية من صفات الجلال، وهي القهر والجبروت وغيرها، وكذلك النار إنها من جنود صفات جلال الله. فحين يقول الحق: " اتقوا النار " أو " اتقوا الله " فالمعنى واحد. وعندما يسمع إنسان قول الحق سبحانه: ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ [آل عمران: 102] ماذا تعني حق تقاته؟ إن كلمة " حق " - كما نعرف - تعني الشيء الثابت الذي لا يزول ولا يتزحزح، أي لا ينتهي ولا يتذبذب، هذا هو الحق. إذن ما حق التقى؟ هو أن يكون إيمانك أيها المؤمن إيمانا راسخا لا يغادرك ولا تتذبذب معه، واتقاء الله حق تقاته هو اتباع منهجه، فيطاع الله باتباع المنهج فلا يعصي، ويذكر فلا ينسى، ويشكر ولا يكفر. وطريق الطاعة يوجد في اتباع المنهج ب " افعل " و " لا تفعل " ويذكر ولا ينسى لأن العبد قد يطيع الله، وينفذ منهج الله، ولكن النعم التي خلقها الله قد تشغل العبد عن الله، والمنهج يدعوك أن تتذكر في كل نعمة من أنعم بها، وإياك أن تنسيك النعمة المنعم. ويشكر العبد الله ولا يكفر بالنعم التي وهبها له الله. وما دمت أيها العبد تستقبل كل نعمة وتردها إلى الله وتقول: " ما شاء الله، لا قوة إلا بالله " ولا تكفر بالنعم أي أنك تؤدي حق النعمة، وكل نعمة يؤدي العبد حقها تعني أنها نعمة شكر العبد ربه عليها، ولم يكفر بها. وقيل في معنى: " حق تقاته " أي أنه لا تأخذك في الله لومة لائم، أو أن تقول الحق ولو على نفسك. هذا ما يقال عنه " حق التقى " ، أي التقى الحق الذي يعتبر تقى بحق وصدق. وقال العلماء: إن هذه الآية عندما نزلت وسمعها الصحابة، استضعف الصحابة نفوسهم أمام مطلوبها، فقال بعضهم: من يقدر على حق التقى؟ ويقال: إن الله أنزل بعد ذلك:

فاتقوا الله ما استطعتم..

[التغابن: 16]. فهل معنى هذا أن الله كلف الناس أولا ما لا يستطيعون، ثم قال من بعد ذلك: " فاتقوا الله ما استطعتم "؟ لا، إنه الحق سبحانه لا يكلف إلا بما في الوسع، والناس قد تخطئ الفهم لقوله تعالى: " فاتقوا الله ما استطعتم " فيقول العبد: أنا غير مستطيع أن أقوم بذلك التكليف، ويظن هذا العبد أن التكليف يسقط عنه. لا، إن هذا فهم خاطئ إن قوله الحق: " فاتقوا الله ما استطعتم " أي إنك تتقي الله بما كان في استطاعتك من الوسع، فما باستطاعتك أن تقوم به عليك أن تقوم به. فلا يهرب أحد إلى المعنى المناقض ويقول: أنا غير مستطيع لأن الله يعلم حدود استطاعتك. وساعة تكون غير مستطيع فهو - سبحانه - الذي يخفف.. إنك لا تخفف أنت على نفسك أيها العبد، فالخالق الحق هو الذي يعلم إذا كان الأمر خارجا عن استطاعتك أو لا، وساعة يكون الأمر خارجا عن استطاعتك فالله هو الذي يخفف عنك. ولذلك فعلى الإنسان ألا يستخدم القول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٩٨