تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.99

هب أنكم خبتم في ذواتكم، وحملتم وزر ضلالكم فلماذا تحملون وزر إضلالكم للناس؟. كان يكفي أن تحملوا وزر ضلالكم أنتم، لا أن تحملوا أيضا وزر إضلالكم للناس؟ إن الحق - سبحانه - قال:

ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون

[النحل: 25]. إنه سبحانه قال ذلك مع أنه قد قال:

ولا تزر وازرة وزر أخرى..

[فاطر: 18]. إن الذي لا يحمل وزرا مع وزره هو الضال الذي لم يضل غيره، فهذا يتحمل إثمه فقط. أما الذي يحمل وزر نفسه، ووزر غيره فهو الضال المضل لغيره، وهنا يسألهم الحق سبحانه وتعالى على لسان رسوله: ﴿ لم تصدون عن سبيل الله من آمن ﴾ [آل عمران: 99]. كأنه يقول لهم ماذا تريدون من الدين الذي يربط العبد بربه؟. إنكم لا تريدونه دينا قيما إنكم تريدون دينا معوجا، والمعوج عن الاستقامة إنما يكون معوجا لغرض لأن المعوج يطيل المسافة. إن الذي يسير في طريق مستقيم ما الذي يدعوه إلى أن ينحرف عن الطريق المستقيم ليطيل على نفسه السبيل؟. إن كان يريد الغاية مباشرة فإنه يفضل الطريق المستقيم. أما الذي ينحرف عن الطريق المستقيم فهو لا يبغي الغاية المنشودة، بل يطيل على نفسه المسافة، وقد لا يصل إلى الغاية. والحق يقول: ﴿ لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا ﴾ [آل عمران: 99] وساعة تسمع " عوجا " فإننا قد نسمعها مرة " عوج " بفتح العين. ومرة نسمعها " عوج " بكسر العين. حين نسمعها " عوج " بفتح العين، فالعوج هو للشيء الذي له قيام، كالحائط أو الرمح، أما " العوج " بكسر العين فهو في المعاني والقيم، لذلك يقول لهم الحق عن انحرافهم في المعاني والقيم: ﴿ تبغونها عوجا وأنتم شهدآء ﴾ [آل عمران: 99]. إن الحق يبلغهم: أنتم تبغون الدين عوجا برغم أنكم شهداء على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، إنه جاء مبلغا بالصدق، وكنتم تبشرون برسالة محمد، وكنتم تستفتحون على الذين أشركوا من أهل مكة وتقولون: سيأتي نبي نتبعه ثم نقتلكم معه قتل عاد وإرم. وأنتم - يا أهل الكتاب - شهود على صدق هذا الرسول. لقد ارتكبوا سلسلة من المعاصي هم ضلوا وجهدوا أن يضلوا غيرهم. ويا ليت ذلك يتم عن جهل، ولكنه أمر كان يتم بقصد وعن علم. وبلغت المسألة منهم مبلغ أنهم شهود على الحق. وبرغم ذلك أصروا على الضلال والإضلال. ومعنى " الشهود " ، أنهم عرفوا ما قالوا ورأوه رأي العين، فالشهود هو رؤية لشيء تشهده، وليس شيئا سمعته، لذلك يذكرهم الحق سبحانه بقوله: ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ [آل عمران: 99]. إن الرسالة التي جاء بها محمد مبلغا واضحة، وهذا مذكور في كتبكم السماوية. فما الذي يجعلكم - يا أهل الكتاب - لا تلتزمون طريق الحق وأنتم شهود؟ لا بد أنكم قد مستكم شبهة إن الله يغفل عن ذلك، فقال لهم لا: ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ [آل عمران: 99]. وبعد ذلك يأتي قول الحق سبحانه: ﴿ يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٩٣