تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.96

لقد عرفنا من قبل كيف كان تداعي المعاني سببا في إرواء الحق لكل ملكات الإنسانية، وقبل هذه الآية التي تتحدث عن بناء البيت الحرام بمكة المكرمة كان هناك حديث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام حين قال الحق:

قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين

[آل عمران: 95]. وإبراهيم عليه السلام هو أول الأنبياء صلة بالبيت الحرام، وكان رفع قواعد البيت الحرام على يده بعد أن طمر وستر بالطوفان في عهد نوح عليه السلام، فحين يأتي الكلام في رسالة سيدنا إبراهيم عليه السلام فلا بد أن تأتي أكبر حادثة في تاريخ سيدنا إبراهيم، وهي حادثة بناء البيت الحرام، كما أن الحق سبحانه حينما تكلم عن المحاجاة بين المسلمين وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده القرآن، وبين أهل الكتاب وفي أيديهم التوراة المحرفة والإنجيل المحرف أراد سبحانه أن يردنا إلى شيء واحد هو ملة إبراهيم الذي سمانا مسلمين. ومعنى ذلك أن الله يريد منا أن تسيطر قيم السماء على حركة أهل الأرض لأن حركة أهل الأرض إن اتبعت الأهواء تصادمت الحركات، وما دامت الحركات قد تصادمت فإن ما ينتج عنها هو ضياع مجهود الحركة الإنسانية، ويصير هذا المجهود مبددا. ولكن الإنسان الذي يحمل القيم التي تتركز عقيدة في قلبه - بعد أن يبحثها بفكره - هذا الإنسان له قالب تنفذ به تشريعات الله، ولولا وجود القالب هذا لما استطاع الإنسان أن يطبق تشريعات الله، ولما استطاع أن يؤدي هذه التشريعات، ولما استطاع أن يطيع الله بجوارحه فالإنسان بغير قالب لا يستطيع أن يؤدي الحركة المطلوبة. إذن فلا بد للقالب الإنساني - البدن - في التشريع من عملية أخرى وهي أن ينصب القالب ويكون له عمل حين يتوجه إلى بيت واحد لله، وبذلك يصبح للقالب نصيب في العبادة أيضا. ولهذا كان لا بد أن يوجد للقالب - أيضا - متجه وهذا المتجه يحكم القالب نفسه، فكان المؤمن المسلم محكوما قلبا وقالبا، فحين نأتي للصلاة لنكون في حضرة الله نتحرى أن يكون قالبنا متجها إلى المكان الذي أمرنا الله أن نتوجه إليه، لماذا؟ لأن الحق سبحان وتعالى ساعة يعطي رحمته وبركته وتنزلاته وإشراقاته يريد أن يكون الجسم في وضع مؤهل لاستقبال هذه التجليات ولذلك كان لا بد أن يكون لله بيت يتجه إليه الجميع حتى يعطي للتدين وحدة، فكما أعطى الحق لموكب الرسالات وحدة، فإنه يعطي أيضا وحدة في القالب الإنساني والمتجه، وكل مكان يعبد الله فيه بالنسبة للإسلام يعتبر مسجدا، وقد يسر الله الأمر على أمة سيدنا محمد، فقال - صلى الله عليه وسلم -:

" جعلت لي أرض مسجدا وطهورا ".

وكان لقاء الله وعبادته في الديانات السابقة يقتضي مكان محددا ولكن قد وسع رحمته على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. إن تراب الأرض طهور، إننا عندما نفتقد الماء الطهور فإن التراب الذي قد يبدو للوهلة السطحية أنه سبب في عدم النظافة قد جعله الله لنا طهورا. إن الإنسان يمكنه أن يتيمم ويتطهر بالتراب، وكأن الله قد أراد أن يكون لقاء كل فرد من أمة محمد به ميسرا تيسيرا كبيرا. وكل مكان نعبد فيه الله ويسجد فيه المسلم لله يصير مسجدا. لكن هناك فارقا بين أي مكان نعبد الله فيه والمسجد، فنحن نرى العامل يعبد الله في المصنع والتلميذ يعبد الله في الفصل، والفلاح يعبد الله ويؤدي الفروض في الحقل، ويمكن للسائر في الشارع أن يؤدي صلاته في أي مكان، وأن يزاول عمله بعد ذلك، ولكن حين يحيز الإنسان مكانا ليكون بيتا لله، فمحظور أن يزاول فيه نشاطا آخر من نشاطات الحياة إنه مكان محيز. إن العبادة كلها مقبولة، ولكن هناك فارقا بين مكان تعمل فيه ومكان تخصصه ليصير مسجدا. فالمسجد هو مكان لا يزاول فيه إلا لقاء الله، لذلك أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نستغل هذا الحيز في أي أمر يتعلق بدنيانا، وقد أوضح لنا - صلى الله عليه وسلم - أن الذي يعقد صفقة في المسجد لم يبارك الله فيها، والذي ينشد فيه شيئا ضالا له لن يجده. فقد دعا الرسول ألا يرد الله عليه ضالته. إن أمور الدنيا يكفيها أن تأخذ من الإنسان كل يوم ثلاثا وعشرين ساعة، فليخصص الإنسان المؤمن ساعة لله وحده، وليخلع كل أغراض الحياة الدنيا كما يخلع النعال على باب المسجد. فليس من حسن الأدب واللياقة أن ينشغل الإنسان بأي شيء غير لقاء الله في الوقت المخصص للقاء الله، وفي المكان المخصص لهذا اللقاء. فساعة تدخل المسجد ينبغي أن تمنع نفسك من أن يتكلم معك أحد في فضول الكلام ولغوه، وأن تنوي الاعتكاف لتستفيد من وجودك في المسجد. وساعة أن نخصص حيزا ما ليكون مسجدا، فكيف يكون الاتجاه داخل المسجد؟ أيترك الأمر لكل واحد أن يختار له متجها؟ لا، إن المؤمن ملتزم بالاتجاه إلى مكان واحد، هذا المكان الواحد هو بيت لله باختيار الله بينما المساجد الأخرى هي بيوت لله باختيار خلق الله، فبيوت الله باختيار خلق الله متجها جميعا هو بيت الله الحرام. وحين تنظر هذه النظرة ستجد العالم متواجها لأن كل عابد سيكون اتجاهه إلى بيت الله مع بقية العابدين لله، فيلتف المؤمنون كلهم حول بيت الله، ويتواجهون، إن وجوهنا كلها تقابل بعضها بعضا، ولكن ما ضرورة الاتجاه للكعبة؟ والحق سبحانه يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٨٤