3.164
والذي يمن على الآخر هو الذي يعطيه عطية يحتاج إليها هذا الآخذ، فكأن الحق يقول: وهل أنا في حاجة إلى إيمانكم؟ وفي حاجة إلى إسلامكم؟ أصفة من صفاتي معطلة حتى تأتوا أنتم لتكملوها لي؟ لا، إذن فحين أبعث لكم رسولا رحيما بكم، فالمنة تكون لي وحدي. ﴿ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ﴾ [آل عمران: 164]. أكان يبعثه ملكا؟ لا. بل بعثه من البشرية كي تكون الأسوة فيه معقولة. فعندما يقول لكل مسلم افعل مثلي، فالمسلم عليه أن يطبق ما يأمره به الرسول، لكن لو كان ملكا أكانت تنفع فيه الأسوة؟ لا، فقد يقول لك: افعل مثلي، فتقول له: لا أقدر لأنك ملك، ومن يدعي الألوهية لرسول، فهو ينفي عنه الأسوة لأنه عندما يقول: كن مثلي، يمكنك أن تقول: وهل نقدر؟ أنت طبيعتك مختلفة، فهل نصل لذلك؟! لا نقدر، ولذلك فالذين يقولون بألوهية رسول، إنما يفقدون الأسوة فيه، والمفهوم في الرسول أن يكون أسوة سلوكية، وأن يكون مبلغا عن الله منهجه، وأن يعلن بشريته ويقول: أنا بشر وأستطيع أن أمثل وأطبق المنهج. إذن فهو أسوة سلوكية تطبيقية. والرسول مبعوث للكل، فلماذا كانت المنة على من آمن فقط!؟ لأنه هو الذي انتفع بهذه الحكاية، لكن الباقين أهدروا حقهم في الأسوة ولذلك تكون المنة على من آمن. ﴿ لقد من الله على المؤمنين ﴾ [آل عمران: 164] وما هي المنة؟ المن: الأصل فيه أنه القطع، لكن حين نسمعها نجدها تستعمل في أشياء متقابلة، فمثلا: المن هو العطاء بلا مقابل، والمن هو: تكدير النعمة بالتحدث بها، مثل قوله تعالى:
الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون
[البقرة: 262]. إذن فالمن الذي نحن بصدده هو العطاء بلا مقابل، ولكن المن قد استعمل في تكدير النعمة بكثرة الكلام فيها، فقد يقول الإنسان لمن يمن عليه: لا أريد النعمة التي تتكلم عنها دائما، إذن فالمن استعمل في النعمة وفي تكدير النعمة، تقول: من على فلان إذ أنقذني من ضيق كنت فيه، ويقال: فلان ليس فيه منة، أي ليس فيه قوة، وكلها تدور في معنى القطع، فإذا استعمل في النعمة والعطاء نقول: نعم فيها قطع لأن النعمة جاءت لتقطع الحاجة، فيه حاجة ثم جاء عطاء، والعطاء قطع الحاجة. فاستعملت في معناها. فإذا جاءت نعمة بعد حاجة والحاجة انقطعت بالنعمة فلا بد أن تأتي بفعل بعدها وهو أن تشكر من أنعم عليك، وخصوصا أنه الله، فالمن يقطع الشكر لأنك إن مننت بالنعمة وأظهرت تفضلك بها على من أسديتها إليه فقد تسببت في أن الآخذ لا يشكرك بل إنه يتضايق من نعمتك وقد يردها عليك.
فإذن: هنا قطع للشكر، فإن قطعت حاجة محتاج فهذا يسمى " نعمة " وإن فخرت بنعمتك عليه حتى كدرتها فقد قطعت ومنعت شكره لك، وهذا يسمى " منا " أي أذى لأنه يؤذي مشاعر وإحساس الآخذ. وإن قطعت مطلقا اختصت باسم " المنة " ، يقولون: فلان لا منة فيه أي لا قوة عنده تقطع في الأمور، وهنا يقول: ﴿ لقد من الله على المؤمنين ﴾ و " من " هنا بمعنى أعطى نعمة، والنعمة في الدنيا تعطيك على قدر دنياك، و " منة " الله برسوله صلى الله عليه وسلم تعطيني عطاء على قدر الدنيا وعلى امتداد الآخرة، فتكون هذه منة كبيرة. ﴿ لقد من الله على المؤمنين إذ ﴾ [آل عمران: 164]، و " إذ " يعني ساعة أي حين بعث فيهم رسولا منهم فقد عمل فيهم منة وقدم لهم ومنحهم جميلا كبيرا وأنعم عليهم نعمة، ﴿ إذ بعث فيهم رسولا ﴾ [آل عمران: 164]. فإذا كان مطلق بعث رسول كي يهدي الناس إلى منهج الله يكون نعمة فماذا إذا كان الرسول من أنفسهم؟ إن هذه تكون نعمة أخرى لأنه ما دام من أنفسهم؟ إن هذه تكون نعمة أخرى لأنه ما دام من أنفسهم ومن رهطهم ومن جماعتهم، هو معروف نسبا وحسبا ومعروف أمانة، فلا يخون، ومعروف صدقا فلا يكذب، كل هذه " منة " ولم يتعب أحدا في أن يبحث وراءه: أكذب قبل ذلك حتى نعتبر ذلك كذبا؟ أخان قبل ذلك حتى نعتبر ذلك خيانة؟ لا. هل هو من الناس المدعين الذين يريدون أن يقيموا ضوضاء من حولهم؟ لا. بل هو في الحسب والنسب معروف، جده عبد المطلب سيد البطحاء ولا يوجد واحد من أهله تافها. وعرف الجميع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمانة منذ صغره، إذن فالمقدمات تجعل الناس لا تجهد نفسها في أن تتحرى عنه أصادق هو أم غير صادق؟ إذن فهو منة، ولذلك حينما بعث الله سيد الخلق إلى الخلق كان هناك أناس بمجرد أن قال لهم: إني رسول الله، آمنوا به، لم يقدم معجزة ولم يقولوا له: ماذا ستقول أو ماذا تعمل؟ بل بمجرد أن قال: إنه رسول الله صدقوه، فعلى أي حيثية استندوا في التصديق؟ لقد استندوا على الماضي.