3.171
إن الحق سبحانه لا يضيع أجر هؤلاء الذين قاتلوا في سبيل الله، وها هو ذا سبحانه وتعالى يقول: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد مآ أصابهم القرح... ﴾.
3.172
انظر إلى المنزلة العالية كي تعلم أن الهزة التي حدثت في أحد أعادت ترتيب الذرات الإيمانية في نفوس المؤمنين. ولذلك أراد الله ألا يطول أمد الغم على من ندموا بسبب ما وقع منهم، وألا يطول أمد الكفار الذين فرحوا بما ألحق بالمؤمنين من الضرر في المعركة الأخيرة، هؤلاء المشركون فرحون، وهؤلاء المسلمون في حزن لأننا قلنا: ما داموا مسلمين ومؤمنين فلهم الحق، وإن قصروا فعليهم عقوبة، وسبحانه قد أنزل بهم العقوبة لكن بقي لإسلامهم حق على الله لأنه أجرى تلك الأقدار ليهذب ويمحص ويربي، فلا يطيل أمد الغم على المؤمنين ولا يمد الفرحة للكافرين، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم والحالة كما تعلمون هكذا، ويؤذن مؤذنه صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب قريش قائلا: " لا يخرجن معنا إلا من حضر معنا القتال ". ويخرج الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم بعدد لايزيد على عدد المقاتلين الذين كانوا يواجهونهم حتى لا يقال إنهم جاءوا بمدد إضافي، بل بالعكس، فالذين خرجوا لمطاردة الكفار هم الذين بقوا مع الرسول في أحد، ونقص منهم من قتل ونقص منهم أيضا كل من أثقلته جراحه. لقد كانوا أقل ممن كانوا في المعركة، وكأن الله يريد أن يبين لنا أن التمحيص قد أدى مطلوبه. هم في هذه الحالة استجابوا للرسول، كأن المسألة جاءت رد اعتبار لمن شهدوا المعركة حتى لا يضعفوا أمام نفوسهم وحتى لا يجعلوها زلة تطاردهم وتلاحقهم في تاريخهم الطويل، بل يعلمون أن معركة أحد قد انتهت وعرفوا آثارها. وبمجرد أذن مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم بالنداء السابق استجابوا جميعا، ولم يسمح إلا لجابر بن عبد الله أن يكون إضافة لهم لأنه أبدى العذر في أنه لم يكن مع القوم لأن له أخوات سبعا من البنات وأمره أبوه أن يمكث مع أخواته لرعايتهن، فسمح له رسول الله. - وكما قلنا - فإن الله أراد بكل أحداث أحد أن يعيد ترتيب الذرات الإيمانية، وما دامت الذرات الإيمانية قد انتظمت فقد تم إصلاح جهاز الاستقبال عن الله، وفي لحظة واحدة يستجيبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أنهم يلاحقون الكفار، وذهبوا إلى حمراء الأسد وكان ما كان. وبعد ذلك أرسل الله لهم من جنوده من يخذل هؤلاء القوم الكافرين، ويقول لهم: إن محمدا قد خرج إليكم بجيش كبير. ونلحظ أن الحق سبحانه يجيء هنا بقوله: ﴿ الذين استجابوا ﴾ [آل عمران: 172] وهي تقابل " من خالفوا " أمر رسول الله وهم الرماة، ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد مآ أصابهم القرح ﴾ [آل عمران: 172]. لقد استجابوا وهم مرهقون ومتألمون ومثخنون بالجراح فكل واحد منهم قد ناله نصيب من إرهاق القتال، ومع ذلك استجابوا لله وللرسول، وكل منهم أصابه القرح أو القرح.. يعني الألم أو الجرح، ﴿ من بعد مآ أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ﴾ [آل عمران: 172] وهم قد أحسنوا في الاستجابة لذلك فلهم الأجر العظيم، " أجر عظيم " لأن ما حدث منهم من أمر المخالفة قد أخذوا عليه العقوبة. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا... ﴾.