تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.159

إن الآية كما نرى تبدأ بكلام إخباري هو ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ [آل عمران: 159]. فكأنه - سبحانه - يريد أن يقول: إن طبيعتك يا محمد طبيعة تتناسب لما يطلب منك في هذه المسألة، هم خالفوك وهم لم يستجيبوا لك حينما قلت: إلي عباد الله، إلي عباد الله إني رسول الله، وهذا شيء يحفظ ويغضب. ولكنه لا يحفظ طبيعتك ولا يغضب سجيتك لأنك مفطور مع أمتك على الرحمة. فكأنه يريد أن يحنن رسول الله على أمته التي أصابته بالغم فقال له: إياك أن تجازيها على هذا لأن طبيعتك أنك رحيم، وطبيعتك أنك لست فظا، طبيعتك أنك لست غليظ القلب، فلا تخرج عن طبيعتك في هذه المسألة، مثلما تأتي لواحد مثلا وتقول له: أنت طبيعة أخلاقك حسنة، يعني اجعلها حسنة في هذه. ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ [آل عمران: 159] أي بأي رحمة أودعت فيك. ساعة تقول: بأي رحمة فأنت تبهم الأمر، وعندما تبهم الشيء فكأنه شيء عظيم لأن الشيء يبهم إما لأنه صغير جدا، وإما لأنه كبير جدا، فالشيء إذا كان كبيرا يكون فوق المستوى الإدراكي، وإذا كان صغيرا جدا يكون دون مستوى الإدراك. ولذلك فالأشياء الضخمة جدا نرى منها جانبا ولا نرى الجانب الآخر، والشيء الدقيق جدا لا نراه، ولذلك يقولون: هذا الشيء نكرة، وذلك يدل مرة على التعظيم ويدل مرة على التحقير، ومرة يدل على التكثير، ومرة يدل على التقليل. فإن نظرت إلى أن الإدراك لا يستوعبه لضخامته إذن فهو كثير، وإن رأيت أن الإدراك لا يستوعبه للطفه ودقته، وأنه ليس في متناول البصر يكون قليلا أو دقيقا. إذن فقول الحق: ﴿ فبما رحمة ﴾ [آل عمران: 159] أصلها هو: برحمة من الله طبعت عليها لنت لهم، و " ما " لماذا جاءت هنا؟ إنك إما أن تأخذها إبهامية.. يعني بأي رحمة فوق مستوى الإدراك، رحمة عظيمة. أو تقول: " فبما رحمة " أي أن " ما " تكون اسما موصولا. وكأن الحق يقول له: فبالرحمة المودعة من خالقك فيك والتي تناسب مهمتك في الأمة لنت لهم، وما دامت تلك طبيعتك فلن لهم في هذا الأمر واعف عنهم واستغفر لهم. وهذه الآية جاءت عقب أحداث حدثت في أحد: الحدث الأول: أنه صلى الله عليه وسلم رأى ألا يخرج إلى قتال قريش خارج المدينة بل يظل في المدينة، فأشار عليه المحبون للشهادة والمحبون للقتال والمحبون للتعويض عما فاتهم من شرف القتال في " بدر " أن يخرج إليهم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رأيهم، ولبس لأمته، فلما أحسوا أنهم أشاروا على رسول الله بما يخالف ما كان قد بدر منه، تراجعوا وقالوا: يا رسول الله إن رأيت ألا نخرج، فقال:

" ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل "

فما دام قد استعد للحرب انتهى الأمر، هذه أول مسألة وهي مسألة المشورة. وبعد ذلك تخلف ابن أبي بثلث الجيش وهذه مسألة ثانية، أما المسألة الثالثة فهي مخالفة الرماة أمره صلى الله عليه وسلم وتركهم مواقعهم على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم قد حذرهم من ذلك وقال لعبد الله بن جبير الذي أمره على الرماة: " أنضح عنا الخيل بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك " ، ولكنهم خالفوا عن أمر رسول الله. والمسألة الرابعة هي: فرارهم حينما قيل: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسألة الخامسة: أنه حين كان يدعوهم فروا لا يلوون على شيء. كل تلك أحداث كادت تترك في نفسه صلى الله عليه وسلم آثارا، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول: أنا طبعتك على رحمة تتسع لكل هذه الهفوات، والرحمة مني، وما دامت الرحمة موهوبة مني فلا بد أني جعلت فيك طاقة تتحمل كل مخالفة من أمتك ومن أتباعك. ولا تظن أنك قد أرسلت إلى ملائكة، إنما أرسلت إلى بشر، والبشر خطاءون، البشر من الأغيار، فلهذا اجعل المسألة درسا، وأنا فطرتك على الرحمة، وأنت بذاتك طلبت مني كثيرا من الخير لأمتك، ومن رحمته أن جبريل نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال فسلم على ثم قال: يا محمد إن الله قد بعثني إليك وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٨١