" عرضت علي الجنة ولو شئت أن آتيكم بقطاف منها لفعلت ".
لماذا؟ لأن الإخبار بالحدث قد يعني أن الحدث غير موجود وسيوجد من بعد ذلك، ولكن الوجود للحدث ينفي أن لا يوجد لأن وجوده صار واقعا، فعندما يقول: " أعدت " فمعناها أمر قد انتهى الحق من إعداده، ولن يأخذ من خامات الدنيا وينتظر إلى أن ترتقي الدنيا عندكم ويأخذ وسائل ومواد مما ارتقيتم ليعد بها الجنة، لا. لقد أخبر سبحانه عنها فقال: " فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " ، وأعد سبحانه الجنة كلها ب " كن " ، فعندما يقول: " أعدت " تكون مسألة مفروغا منها. وما دامت مسألة مفروغا منها إذن فالمصير إليها أو إلى مقابلها مفروغ منه، والجنة أعدت للمتقين، فمن هم المتقون؟.
3.134
هذه بعض من صفات المتقين ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ [آل عمران: 134] لأن المعركة - معركة أحد - ستعطينا هذه الصورة أيضا. فحمزة وهو سيد الشهداء وعم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل. وليته يقتل فقط ولكنه مثل به، وأخذ بضع منه وهو كبد فلاكته " هند " ، وهذا أمر أكثر من القتل. وهذه معناها وأخذ دنيء. وحينما جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم خبر مقتل حمزة وقالوا له: إن " هندا " أخذت كبده ومضغتها ثم لفظتها، إذ جعلها الله عصية عليها، قال: " ما كان الله ليعذب بعضا من حمزة في النار " كأنها ستذهب إلى النار، ولو أكلتها لتمثلت في جسمها خلايا، وعندما تدخل النار فكأن بعضا من حمزة دخل النار، فلا بد أن ربها يجعل نفسها تجيش وتتهيأ للقيء وتلفظ تلك البضعة التي لاكتها من كبد سيد الشهداء. وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحادثة بأنها أفظع ما لقي. إنها مقتل حمزة فقال:
" لئن أظفرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم ".
وهنا جاء كظم الغيظ ليأخذ ذروة الحدث وقمته عند رسول الله في واحد من أحب البشر إليه وفي أكبر حادث أغضبه، وينزل قول الحق:
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين
[النحل: 126]. كي نعرف أن ربنا - جل جلاله - لا ينفعل لأحد لأن الانفعال من الأغيار، وهذا رسوله فأنزل - سبحانه - عليه:
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به
[النحل: 126] ويأتي هنا الأمر بكظم الغيظ، وهو سبحانه يأتي بهذا الأمر في مسألة تخص الرسول وفي حدث " أحد ". وبعد ذلك يشيعها قضية عامة لتكون في السلم كما كانت في الحرب. وتكون مع الناس دون رسول الله لأنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ [آل عمران: 134] ونعرف أن كل الأمور المعنوية مأخوذة من الحسيات. وأصل الكظم أن تملأ القربة، والقرب - كما نعرف - كان يحملها " السقا " في الماضي، وكانت وعاء نقل الماء عند العرب، وهي من جلد مدبوغ، فإذا ملئت القربة بالماء شد على رأسها أي ربط رأسها ربطا محكما بحيث لا يخرج شيء مما فيها، ويقال عن هذا الفعل: " كظم القربة " أي ملأها وربطها، والقربة لينة وعندما توضع على ظهر واحد أو على ظهر الدابة فمن ليونتها تخرج الماء فتكظم وتربط بإحكام كي لا يخرج منها شيء. كذلك الغيظ يفعل في النفس البشرية، إنه يهيجها، والله لا يمنع الهياج في النفس لأنه انفعال طبيعي، والانفعالات الطبيعية لو لم يردها الله لمنع أسبابها في التكوين الإنساني.
إنما هو يريدها لأشياء مثلا: الغريزة الجنسية، هو يريدها لبقاء النوع، ويضع من التشريع ما يهذبها فقط، وكذلك انفعال الغيظ، إن الإسلام لا يريد من المؤمن أن يصب في قالب من حديد لا عواطف له، لا، هو سبحانه يريد للمؤمن أن ينفعل للأحداث أيضا، لكن الانفعال المناسب للحدث، الانفعال السامي الانفعال المثمر، ولا يأتي بالانفعال المدمر. لذلك يقول الحق: