ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا
[الإسراء: 36]. وقوله سبحانه:
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
[الكهف: 103-104]. إذن فقد كرم الله من آمن من أهل الكتاب فوصفهم الوصف الحقيقي، فهم يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، ويؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات، ثم يحكم الحق عليهم حكما عاما بأنهم من الصالحين لعمارة الكون والخلافة في الأرض. ومن بعد ذلك يضيف الحق: ﴿ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله... ﴾.
3.115
إنه سبحانه يعطيهم الجزاء العادل، وإن شيئا لا يضيع عنده وهو الحق فالخير الذي يفعلونه لن يجحد لهم أو يستر عن الناس لأنه سبحانه عليم بالمتقين، فمن الجائز أن يصنع إنسان الأعمال ولا يراها أحد، أما الحق فهو يرى كل عمل، وهو الذي يملك حسن الجزاء. وبعد ذلك يعود الحق لتبيان حال الذين كفروا فيقول: ﴿ إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا... ﴾.
3.116
يظن الكافرون أن الأموال والأولاد قد تغني من الله، إنهم لا يحسنون التقدير، فالأموال والأولاد هما من مظان الفتنة مصداقا لقوله تعالى:
واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم
[الأنفال: 28]. وما دامت الأموال والأولاد فتنة فلا بد أن نفهم الأمر على حقيقته فالفتنة ليست مذمومة في ذاتها لأن معناها اختبار وامتحان، وقد يمر الإنسان بالفتنة، وينجح. كأن يكون عنده الأموال والأولاد، وهم فتنة بالفعل فلا يغره المال بل إنه استعمله في الخير، والأولاد لم يصيبوه بالغرور بل علمهم حمل منهج الله وجعلهم ينشأون على النماذج السلوكية في الدين، لذلك فساعة يسمع الإنسان أي أمر فيه فتنة فلا يظن أنها أمر سيء بل عليه أن يتذكر أن الفتنة هي اختبار وابتلاء وامتحان، وعلى الإنسان أن ينجح مع هذه الفتنة فالفتنة إنما تضر من يخفق ويضعف عند مواجهتها. والكافرون لا ينجحون في فتنة الأموال والأولاد، بل سوف يأتي يوم لا يملكون فيه هذا المال، ولا أولئك الأولاد، وحتى إن ملكوا المال فلن يشتروا به في الآخرة شيئا، وسيكون كل واحد من أولادهم مشغولا بنفسه، مصداقا لقول الحق:
يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور
[لقمان: 33]. إن كل امرئ له يوم القيامة شأن يلهيه عن الآخرين، والكافرون في الدنيا مشغولون بأموالهم وأولادهم وعندما نتأمل قوله: ﴿ لن تغني عنهم ﴾ [آل عمران: 116] نجد أننا نقول: أغناه عن كذا أي جعله في استغناء فمن هو الغني إذن؟ الغني هو من تكون له ذاتية غير محتاجة إلى غيره، فإن كان جائعا فهو لا يأكل من يد الغير، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" ليس الغني عن كثرة العرض، ولكن الغني غني النفس ".
والمقصود بالعرض هو متاع الحياة الدنيا قل أو كثر، ومتاع، وعرض الدنيا كالماء المالح، كلما شربت منه ازددت ظمأ. إن الكافر من هؤلاء يخدع نفسه ويغشها، ويغتر بالمال والأولاد وينسى أن الحياة تسير بأمر من يملك الملك كله، إن الكافر يأخذ مسألة الحياة في غير موقعها، فالغرور بالمال والأولاد في الحياة أمر خادع، فالإنسان يستطيع أن يعيش الحياة بلا مال أو أولاد. ومن يغتر بالمال أو الأولاد في الحياة يأتي يوم القيامة ويجد أمواله وأولاده حسرة عليه لماذا؟ لأنه كلما تذكر أن المال والأولاد أبعداه عما يؤهله لهذا الموقف فهو يعاني من الأسى ويقع في الحسرة. ويقول الحق سبحانه عن هذا المغتر بالمال والأولاد وهو كافر بالله: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ [آل عمران: 116] وهذا مصير يليق بمن يقع في خديعة نفسه بالمال أو الأولاد.