3.128
أي ليس لك يا محمد من الأمر شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بتوبتهم، أو يعذبهم، فلا يحزنك ذلك لأنهم ظالمون أي ما عليك يا محمد إلا البلاغ فقط. أما هم فقد ظلموا أنفسهم بالكفر. والظلم كما نعرف هو أخذ الحق من ذي الحق وإعطاؤه لغيره. وقمة الظلم هو إضفاء صفة الألوهية على غير الله وهو الشرك. ولذلك يقول الحق:
إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13]. إن الحق يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ﴾ [آل عمران: 128]. وهذه مسألة لم تخرج عن ملك الله، لماذا؟ لأن السماوات والأرض وما فيهن ملك لله: قيل أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعد أن خضب المشركون وجهه بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم - أراد عليه الصلاة والسلام أن يدعو عليهم فنهاه الله لعلمه - سبحانه - أن فيهم من يؤمن وأنزل قوله تعالى: ﴿ ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشآء... ﴾.
3.129
وبما أننا نتحدث عن ملامح في غزوة أحد أريد أن أقول: " جبل أحد رضي الله عنه " لأننا سمعنا بعض العارفين بالله حين تذكر كلمة " أحد " قال: أحد رضي الله عنه - فتعجب القوم لقول الشيخ عبد الله الزيدان الذي قال ذلك، فما رأى عجبهم قال لهم: ألم يخاطبه رسول الله بقوله:
" اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان "
، ألم يقل فيه رسول الله:
" أحد جبل يحبنا ونحبه "
أتريدون أحسن من ذلك في الصحبة! قل: أحد رضي الله عنه. وقلنا سابقا: إنك إذا وقف عقلك في حاجة فلا تأخذها بمقاييسك أنت، بل خذها بالمقاييس الأعلى. ونحن نقول هذا الكلام لأن العلم الآن يجري ويسعى سعيا حثيثا مسرعا حول استخراج بعض أسرار الله في الكون، فبين لنا أن الحيوانات لها لغات تتفاهم بها ويحاولون الآن أن يضعوا قاموسا للغة الأسماك. والحق سبحانه وتعالى ذكر لنا حكاية النملة مع سليمان - عليه السلام - فقال:
يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون
[النمل: 18]. هذا القول يدل على أن نملة خرجت وقامت بعمل وردية كي تحافظ على من معها ثم عادت لتتكلم مع أبناء فصيلتها، وسمعها سيدنا سليمان، فتبسم من قولها. إذن العلم يتسابق ويجد ويسارع الآن ليثبت أن لكل جنس في الوجود لغة يتفاهم بها، وكل جنس في الوجود له انفعال، وكل جنس في الوجود له تكاثر، ولذلك قال الحق لنا على لسان سيدنا سليمان:
يأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين
[النمل: 16]. وكانت هذه خصوصية لسيدنا سليمان عليه السلام، إذن فللطير منطق. وعندما نتسامى ونذهب إلى الجماد نسمع قول الحق سبحانه في آل فرعون وعدم بكاء الجماد عليهم:
كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين * فما بكت عليهم السمآء والأرض وما كانوا منظرين
[الدخان: 25-29]. هل تبكي السماء والأرض؟ إنه أمر عجيب فالجماد من سماء وأرض لا تتفاهم فقط ولكن لها عواطف أيضا لأن البكاء إنما ينشأ عن انفعال عاطفي وجداني. وهذا يعني أن الجمادات لا تتكلم فقط، ولكنها تحس أيضا. فالأرض تخرج أثقالها، وتحدث أخبارها، كيف
بأن ربك أوحى لها
[الزلزلة: 5]. والسماء والأرض أتيا إلى الله في منتهى الطاعة والخشوع:
ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين
[فصلت: 11]. إذن فهناك ما هو أكثر من التفاهم، إن لها عواطف مثلك تماما، وكما تحزنك حاجة فالأرض أيضا تبكي، وما دامت تبكي إذن فلها مقابل بأن تفرح، ويقول الله تعالى عن أرض فرعون: ﴿ فما بكت عليهم السمآء والأرض ﴾ فلو أنها لم تبك مع بعض الناس لما كان لهذا الكلام ميزة.
لذلك قال الإمام علي - كرم الله وجهه -: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع مصلاه لأنه سيحرم من نعمة الإيمان، ومصعد عمله، موضع في الأرض وموضع في السماء.. إذن فلا بد أن نفهم أن لكل شيء شعورا. وقال صلى الله عليه وسلم: