تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.19

بعد أن قال لنا: إنه إله واحد، وقائم بالقسط هو نتيجة منطقية لكونه - سبحانه - إلها واحدا فكأن قوله ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] هو نتيجة لقوله:

شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط

[آل عمران: 18]. لماذا؟ لأنه لا تسليم لأحد إلا الله، وما دام الله إلها واحدا، فلا إله غيره يشاركه، يقول الحق:

ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون

[المؤمنون: 91]. وما دام قد ثبت أنه هو الإله الواحد، فما الذي يمنعك أيها الإنسان أن تخضع لمراد منك؟ إذن فقول الحق بعد ذلك: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] هو أمر منطقي جدا يجب أن ينتهي إليه العاقل، ومع ذلك رحمنا الله سبحانه وتعالى فأرسل لنا رسلا لينبهونا إلى القضية السببية، والمسببية، والمقدمة والنتيجة ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] وإذا سألنا: ما هو الدين؟ تكون الإجابة: إن الدين كلمة لها إطلاقات متعددة فهي من " دان " تقول: دنت لفلان: رجعت له وأسلمت نفسي له، وائتمرت بأمره. ويطلق الدين أيضا على الجزاء، فالحق يقول عن يوم الجزاء: " يوم الدين " وهو يوم الجزاء على الطاعة وعلى المعصية، وعلى أن الإنسان المؤمن قد دان لأمر الله، فكلها تلتقي في قول الحق: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] يشعرنا بأنه قد توجد أديان يخضع لها الناس، ولكنها ليست أديانا عند الله ألم يقل الحق:

لكم دينكم ولي دين

[الكافرون: 6]. إن معنى ذلك أن هناك دينا لغير الله فيه خضوع واستسلام، وفيه تنفيذ لأوامر، ولكن ليس دينا لله، ولا دينا عند الله. إن الدين المعترف به عند الله هو الإسلام. والدين يطلق مرة على الملة ومرة أخرى على الشريعة، فإن أراد المؤمن الأحكام المطلوبة فلك أن تسميها شريعة، وإن أراد المؤمن الطاعة، والخضوع، وما يترتب عليهما من الجزاء فليسمها المؤمن الدين، وإن أراد الإنسان كل ما ينتظم ذلك فليسمها الملة. إذن فقوله سبحانه: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] تعني أنه دين عند الله إلا الإسلام، وكلمة " إسلام " مأخوذة من مادة " سين " و " لام " و " ميم ". و " السين " و " اللام " و " الميم " لها معنى يدور في كل اشتقاقاتها، وينتهي عند السلامة من الفساد. وينتهي المعنى أيضا إلى الصلح بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وربه، وبين الإنسان والكون، وبين الإنسان وإخوانه، إنه صلاح وعدم فساد، كل مادة السين واللام والميم تدل على ذلك، وما دامت المادة المكونة منها كلمة " إسلام " تدل على ذلك فلماذا لا نتبعها؟.

لقد قلنا سابقا: إن الإنسان لا يخضع لمثيله إلا إذا اقتنع بما يقول، إن الإنسان يقول لمساويه الذي يأمره: لماذا تريدني أن أنفذ أوامرك؟ إنك لا بد أن تقنعني بالحكمة من ذلك الأمر، لكن عندما يؤمن الإنسان بإله واحد قائم بالقسط، ويصدر من هذا الإله أمر،فعلى الإنسان الطاعة. إذن.. فالإسلام معناه الخضوع، والاستسلام بعزة وفهم، وعزة وتعقل لأن هناك عبودية تعقل عندما يقف الإنسان عند المعنى السطحي، وهناك عزة تعقل عندما يقف الإنسان عند المعنى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، إن هذا هو عزة العقل فلا يستهويه أي شيء سوى الخضوع للأمر الثابت الذي لا يتناقض أبدا. فما دام الله إلها واحدا قائما بالقسط فإني كعبد من عبيده حين أؤمن به وآخذ عنه، فهذه عزة في الفهم وعزة في التعقل، وعزة في العبودية أيضا، لأنني أعبد الله الذي هو فوق كل المخلوقات والكائنات، ولا أعبد مساويا لي، وإن الذي يعبد مساويا له لا يملك إلا إنفة وحمية الذليل، وما دام الإسلام هو الخضوع والاستسلام لله فهو خضوع لغير مساو، و " أسلم " أي دخل في السلم، أي دخل في الصلح، وعدم التناقض، وفي الأمان والراحة، أي خلص نفسه من كل شيء إلا وجه الله ولذلك يقول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٦