تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.76

إن قول الحق في بداية هذه الآية " بلى " إنما جاء لينقض القضية السابقة التي ادعاها أهل الكتاب، وكأن الحق يقول: أي عليكم في الأميين سبيل لأن المشرع هو الله، والناس بالنسبة له سبحانه سواء. وبعد ذلك يأتي قول الحق بقضية عامة: ﴿ بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ﴾ [آل عمران: 76]. ما العهد هنا؟ وأي عهد؟ إنه العهد الإيماني الذي ارتضيناه لأنفسنا بأننا آمنا بالله وساعة تؤمن بالإله فمعنى إيمانك به هو حيثية قبولك لكل حكم يصدر منه سبحانه، وأن تلتزم بما يطلبه منك. وإن لم تلتزم بما يطلبه منك كان إيمانك بلا قيمة لأن فائدة الإيمان هو الالتزام. ولذلك قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى حينما يريد تشريع حكم لمن آمن به ينادي أولا يأيها الذين آمنوا كتب عليكم كذا، إن الحق سبحانه لا ينادي في التكليف كل الناس، إنما ينادي من آمن وكأن سبحانه يقول: " يا من آمن بي إلها، اسمع مني الحكم الذي أريده منك. أنا لا أطلب ممن لم يؤمن بي حكما، إنما أطلب ممن آمن ". وهنا يقول الحق: ﴿ من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ﴾ [آل عمران: 76] وقد يفهم البعض هذا القول بأن من أوفى بعهده الإيماني واتقى الله في أن يجعل كل حركاته مطابقة ل " افعل ولا تفعل " فإن الله يحبه. هذا هو المعنى الذي قد يفهم للوهلة الأولى، لكن الله لم يقل ذلك، إن " الحب " لا يرجع إلى الذات بل يرجع إلى العمل، لقد قال الحق: ﴿ فإن الله يحب المتقين ﴾ [آل عمران: 76]. إن الإنسان قد يخطئ ويقول: " لقد أحبني الله، وسأفعل من بعد ذلك ما يحلو لي " ونحن نذكر صاحب هذا القول بأن الله يحب العمل الصالح الذي يؤديه العبد بنية خالصة لله وليس للذات أي قيمة، لذلك قال: ﴿ من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ﴾ [آل عمران: 76]. إن الذي أوفى بعهده واتقى سيحب الله فيه التقوى، وإياك أن تفهم أن الحب من الله للعبد سيصبح حبا ذاتيا، لكنه حب لوجود الوصف فيه، فاحرص على أن يكون الوصف لك دائما، لتظل في محبوبية الله. ولذلك نقول: إن الحق سبحانه وتعالى أوضح لنا أن الذات تتناسل من ذات، والذوات عند الله متناسلة من أصل واحد. فالجنس ليس له قيمة، إنما القيمة للعمل الصالح. وقد ضربنا المثل قديما، وقلنا: إن الحق سبحانه وتعالى حينما وعد نوحا عليه السلام بأن ينجيه من الغرق هو وأهله، ثم فوجئ نوح بأن ابنه من المغرقين، قال سبحانه حكاية عما حدث:

قال سآوي إلى جبل يعصمني من المآء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين

[هود: 43]. ماذا فعل نوح عليه السلام؟ لقد نادى ربه طالبا نجاة ابنه:

ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين

[هود: 45]. ويعلمنا الله من خلال رده على نوح، أن أهل الأنبياء ليسوا من جاءوا من نسلهم، إنما أهل الأنبياء هم من جاءوا على منهجهم، لذلك قال الحق لنوح عن ابنه:

إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح..

[هود: 46]. لماذا يكون ابن نوح ليس من أهل نوح؟ ذلك لأن أهل النبوة هم الذين يتبعون منهج النبوة، ولذلك لم يقل الحق لنوح عن ابنه: " إنه عامل غير صالح " لكن الحق سبحانه قال عن ابن نوح: " إنه عمل صالح ".. لقد نسب الحق الأمر إلى العمل. إذن فالحكمة هي أن الله سبحانه وتعالى في أسلوبه القرآني يوضح لنا أن الله لا يحب شخصا لذاته، إنما لعمله وصفاته فلم يقل: " من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحبه " ، لأن " الهاء " هنا ترجع إلى الذات، إن في ذلك إيضاحا كامل البيان بأن الله يحب عمل العبد لا ذات العبد، فإن حرص العبد على محبوبية الله فذلك يتطلب من العبد أن يظل متبعا لمنهج الله، وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٤٩