3.2
تلك هي قضية القمة، ولذلك يتكرر في القرآن التأكيد على هذه القضية، ﴿ الله لا إله إلا هو ﴾ [آل عمران: 2]. و " الله " كما يقولون مبتدأ، و " لا إله إلا هو " خبر، والمبتدأ لابد أن يكون متضحا في الذهن، فكأن كلمة " الله " متضحة في الذهن، ولكنه يريد أن يعطي لفظ " الله " الوصف الذي يليق به وهو " لا إله إلا هو ". ولذلك يقول الحق:
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون
[العنكبوت: 61]. إذن فالله متضح في أذهانهم، ولكن السلطات الزمنية أرادت أن تطمس هذا الإيضاح، فجاء القرآن ليزيل ويمحو هذا الطمس مؤكدا ﴿ الله لا إله إلا هو ﴾ [آل عمران: 2] فهذه قضية أطلقها الحق شهادة منه لنفسه:
شهد الله أنه لا إله إلا هو
[آل عمران: 18]. وكفى بالله شهيدا لأنها شهادة الذات للذات، وشهدت الملائكة شهادة المشهد فلم يروا أحدا آخر إلا هو، وكذلك، شهد أولو العلم الذين يأخذون من الأدلة في الكون ما يثبت صدق الملائكة ويؤكد صدق الله، فإذا ما نظرنا نظرة أخرى نقول: إن الحق أطلقها على نفسه وقال: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ [آل عمران: 2] وجعلها كلمة التوحيد وجعل الأمر في غاية اليسر والسهولة والبساطة فلم يشأ الله أن يجعل دليل الإيمان بالقوة العليا دليلا معقدا، أو دليلا فلسفيا، أو لا يستطيع أحد أن يصل إليه إلا أهل الثقافة العالية، لا، إن الدين مطلب للجميع من راعي الشاة إلى الفيلسوف إنه مطلوب للذي يكنس في الشارع كما هو مطلوب من الأستاذ الجامعي. فيجب أن تكون قضية الإيمان في مستوى هذه العقول جميعا فلا فلسفة في هذه المسألة، لذلك شاء الحق أن يجعل هذه المسألة في منتهى البساطة فأوضح الله: أنا شهدت ألا إله إلا أنا، فإما أن يكون الأمر صدقا وبذلك تنتهي المشكلة، وليس من حق أحد الاعتراض، وإن لم تكن صدقا فقولوا لنا: أين الإله الآخر الذي سمع التحدي، وأخذ الله منه ذلك الكون، وقال: أنا وحدي في الكون، وأنا الذي خلقت، ثم لم نسمع ردا عليه ولا عن معارض له، ألم يدر ذلك الإله الآخر؟ إذن فذلك الآخر لا ينفع أن يكون إلها، فإن علم ذلك الآخر ولم يدافع عن نفسه وملكيته للكون فإنه لا يصلح أن يكون إلها. وتصبح القضية لله إلى أن يظهر مدع ليناقضها، ف ﴿ لا إله إلا هو ﴾ [آل عمران: 2] كلمة حق، وبالعقل والمنطق هو إله ولم نجد معارضا. وقلنا سابقا: إن الدعوى حين تدعى ولا يوجد معارض حين نسمعها تكون لصاحبها إلى أن يوجد المعارض.
وضربنا مثلا: نحن مجتمعون في حجرة، عشرة أشخاص، وبعد ذلك انصرفوا فوجد صاحب البيت حافظة نقود، فجاء واحد متلهفا وقال: لقد ضاعت مني حافظة نقود. فقال له صاحب البيت: وجدنا حافظة ولكن كان هنا عشرة، فلما جيء بالعشرة، وسئلوا لم يدعها أحد، إذن فهي له. إن الله قد قال: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ [آل عمران: 2]، فإن كان هناك إله آخر فليظهر لنا، ولكن لا تظهر لنا إلا قوة الله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ [آل عمران: 2] وما دام لا إله إلا هو، وهذا الكون يحتاج إلى قيومية لتدبيره، فلا بد أن يكون حيا حياة تناسبه، لأنه سيهب حيوات كثيرة لكل الأجناس، للإنسان وللحيوان وللنبات وللجماد، إذن فالذي يوجدها لابد أن يكون حيا ولابد أن تكون حياته مناسبة له. و " قيوم " هذه يسمونها صيغة مبالغة لأن الحدث إذا وقع فإنه يقع مرة على صورة عادية، ومرة يقع على صورة قوية. مثلما تقول: فلان أكول، و " أكول " غير " آكل " ، فكلنا نأكل، وكلنا يطلق علينا " آكل " ، لكن ليس كلنا يطلق علينا " أكول " لأن هذه اسمها صيغة مبالغة في الحدث. وإذا كان الله هو الذي يدبر ويقوم على أمر كل عوالم الكون هل يكون قائما أو قيوما؟ لابد أن يكون قيوما. و " قيوم " معناها أيضا: قائم بذاته. فما شكل هذا القيام؟ إنه قيام أزلي كامل. إذن فكلمة " قيوم " صيغة مبالغة من القيام على الأمر، قائم بنفسه، قائم بذاته، ويقيم غيره، والغير متعدد متكرر، فعندما يكون هذا الغير متعددا ومتكررا فهو يحتاج إلى صفة قوية في خالقه، فيكون الخالق قيوما. إن قوله الحق: ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ [آل عمران: 2] هو سند المؤمن في كل حركات حياته،