3.183
هم يدعون ذلك ويقولون: ربنا قال لنا هذا في التوراة إياكم أن تؤمنوا برسول يأتيكم، حتى يأتيكم بمعجزة محسة، هذه المعجزة المحسة هي أن يقدم الرسول قربانا فتنزل نار من السماء تأكله. هذا كان صحيحا، وكلنا نسمع قصة قابيل وهابيل:
واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين
[المائدة: 27-28]. ونريد أن نقبل على القرآن ونتدبر: لماذا جاء هذا اللفظ: " فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر "؟ إن القبول من الله، وهو مسألة سرية عنده، فكيف نعرف نحن أن الله تقبل أو لم يتقبل؟ لا بد أنه الله قد جعل للقبول علامة حسية. ونحن نعرف أن الإنسان قد يعمل عملا فيقبله الله، ونجد إنسانا آخر قد يعمل عملا ولا يقبله الله والعياذ بالله، فمن الذي أعلمنا أن الله قد قبل عمل إنسان وقربانه، ولم يقبل عمل الآخر وقربانه؟. وبما أن القبول سر من أسرار الله إذن فلن نعرف علامة القبول إلا إذا كانت شيئا محسا، بدليل قوله:
فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر
[المائدة: 27]. وقال الذي لم يتقبل الله قربانه: " لأقتلنك " كأن الذي قبل الله قربانه قد عرف، والذي لم يتقبل الله قربانه قد عرف أيضا، إذن فلابد أن هناك أمرا حسيا قد حدث. وقلنا: إن الله كان يخاطب خلقه على قدر رشد عقولهم حسا ومعنى ولذلك كانت معجزاته سبحانه وتعالى للأنبياء السابقين لرسول الله هي من الأمور المحسة. فالمعجزة التي آتاها الله لإبراهيم كانت نارا لا تحرق، وعصا سيدنا موسى تنقلب حية، وسيدنا عيسى عليه السلام يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. والمعجزة الحسية لها ميزة أنها تقنع الحواس، ولكنها تنتهي بعد أن تقع لمرة واحدة. لكن المعجزة العقلية التي تناسب رشد الإنسانية، هي المعجزة الباقية، وحتى تظل معجزة باقية فلا يمكن أن تكون حسية. إذن فعندما تأتي معجزة خالدة لرسول هو خاتم الرسل، والذي سوف تقوم القيامة على المنهج الذي جاء به هذه المعجزة لا بد أن تكون ذات أمد ممتد، والامتداد يناقض الحسية لأن الحسية تظل محصورة فيمن رآها، والذي لم يرها لا يقولها ولا يؤمن بها إلا إذا كان على ثقة عظيمة بمن أخبره بها. وابنا آدم، قابيل وهابيل قرب كل منهما قربانا. و " قربان " مثلها في اللغة مثل " غفران " و " عدوان " والقربان هو شيء أو عمل يتقرب به العبد من الله.
وقبول هذا العمل من البر هو سر من أسرار الله. فما الذي أدرى هؤلاء أن قربان هابيل قد تقبله الله ولم يتقبل الله قربان قابيل؟ لابد أن تكون المسألة حسية. ولابد أن قابيل وهابيل قد اختلفا، ولكن القرآن لم يقل لنا على ماذا اختلفا، إنها دعوى أن واحدا منهما مقرب إلى الله أكثر، ولكن بأي شكل؟ لم يظهر القرآن لنا ذلك، ولو كانت المسألة مهمة لأظهرها الله لنا في القرآن الكريم، فلا تقل كان الخلاف على زواج أو غير ذلك. فالذي ظهر لنا من القرآن أن خلافا قد وقع بينهما أو أنهما قد حكما السماء. ومبدأ تحكيم السماء لا يستطيع أحد أن ينقضه. وكان لكل واحد منهم شبهة. وعندما قامت الشبهة التي لقابيل ضد الشبهة التي لهابيل، فلا إقناع من صاحب شبهة، ولذلك ذهبا إلى التحكيم. ونحن في عصرنا الحديث عندما نختلف على شيء فإننا نقول: نجري قرعة. وذلك حتى لا يرضخ إنسان لهوى إنسان آخر، بل يرضخ الاثنان للقدر، فيكتب كل منهما ورقة ثم يتركان ثالثا يجذب إحدى الورقتين. أما هابيل وقابيل فيذكر القرآن الكريم:
واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر
[المائدة: 27]. إذن فكل واحد منهما كانت له شبهة، ولا أحد منهما بقادر على إقناع الثاني لذلك قال قابيل بعد أن قبل الله قربان هابيل: " لأقتلنك " فماذا قال هابيل؟. قال: