3.3
إذن فلم يعطنا سبحانه مقومات المادة فقط، ولكن أعطانا مقومات القيم أيضا لأن المادة بدون قيم تكون شرسة هوجاء رعناء، فيريد الله أن يجعل المادة في مستوى إيماني. إذن لابد أن تنزل القيم. لذلك قال سبحانه: ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ [آل عمران: 3] و " نزل " تفيد شيئا قد وجب عليك لأن النزول معناه: شيء من أعلى ينزل، وهو يقول لك: لا تتأبى على القيم التي جاءت لك من أعلى منك لأنها ليست من مساو لك، إنها من خالق الكون والبشر، والذي يمكنك أن تتأبى عليه ما يأتي ممن هو أدنى منك. لكن حين يجيء لك التقنين ممن هو أعلى منك فلا تتأب عليه لأن خضوعك له ليس ذلة بل عزة، فقال: ﴿ نزل عليك الكتاب ﴾ [آل عمران: 3]. وفي سياق القرآن نجده سبحانه يقول:
نزل به الروح الأمين
[الشعراء: 193]. ومرة أخرى يقول في القرآن الكريم:
وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا
[الإسراء: 105]. ولكن هل نزل القرآن وحده؟ لقد كان جبريل عليه السلام ينزل بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعني ذلك خروج القرآن عن كونه " نزل " ، فجبريل عليه السلام كان ينزل بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحق سبحانه وتعالى يقول:
وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا
[الإسراء: 105]. وبذلك تتساوى " أنزل " مع " نزل ". وحين نأتي للحدث أي الفعل في أي وقت من الأوقات فإننا نتساءل: أهو موقوت بزمن أم غير موقوت بزمن؟ إن القرآن الكريم قد نزل على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وعشرين عاما وينزل القرآن حسب الحوادث، فكل نجم من نجوم القرآن ينزل حسب متطلبات الأحداث. ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول:
إنا أنزلناه في ليلة القدر
[القدر: 1]. والحق هنا يحدد زمنا. ولنا أن نعرف أن القرآن الذي نزل في ثلاثة وعشرين عاما هو الذي أنزله الله في ليلة القدر. إذن فللقرآن نزولان اثنان: الأول: إنزال من " أنزل ". الآخر: تنزيل من " نزل ". إذن فالمقصود من قوله - سبحانه -:
إنا أنزلناه في ليلة القدر
[القدر: 1] أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليباشر مهمته في الكون، وهذا ما أنزله الله في ليلة القدر. والكتاب الكريم الذي أنزله الله في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ينزل منجما على حسب الأحداث التي تتطلب تشريعا أو إيضاحا لأمر. لكن الكتب الأخرى لم يكن لها ذلك اللون من النزول والتنزيل، لقد نزلت مرة واحدة لا حسب الأحداث والمناسبات، لقد جاءت مرة واحدة، كما نزل القرآن أولا من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا.
ولننظر إلى الأداء القرآني حين يقول: ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ﴾ [آل عمران: 3]. وهنا يجب أن نلتفت إلى أن الحق قال عن القرآن: " نزل " وقال عن التوراة والإنجيل: " أنزل ". لقد جاءت همزة التعدية وجمع - سبحانه - بين التوراة والإنجيل في الإنزال، وهذا يوضح لنا أن التوراة والإنجيل إنما أنزلهما الله مرة واحدة، أما القرآن الكريم فقد نزله الله في ثلاث وعشرين سنة منجما ومناسبا للحوادث التي طرأت على واقع المسلمين، ومتضمنا البلاغ الشامل من يوم الخلق إلى يوم البعث. ونزل الله القرآن منجما مناسبا للأحداث، ليثبت فؤاد رسول الله لأنه صلى الله عليه وسلم كان يتعرض لأحداث شتى، وكلما يأتي حدث يريد تثبيتا ينزل نجم من القرآن.
وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا
[الفرقان: 32]. وكان النجم من القرآن ينزل ويحفظه المؤمنون، ويعملون بهديه، ثم ينزل نجم آخر، والله سبحانه يقول:
ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا
[الفرقان: 33]. فمن رحمته سبحانه وتعالى بالمسلمين أن فتح لهم المجال لأن يسألوا، وأن يستوضحوا الأمور التي تغمض عليهم. وجعل الحق سبحانه لأعمال المؤمنين الاختيارية خلال الثلاثة والعشرين عاما فرصة ليقيموا حياتهم في ضوء منهج القرآن، وصوب لهم القرآن ما كان من خطأ وذلك يدل على أن القرآن قد فرض الجدل والمناقشة، وفرض مجيء الشيء في وقت طلبه لأن الشيء إذا ما جيء به وقت طلبه فإن النفس تقبل عليه وترضى به. ومثال ذلك في حياتنا اليومية أن الواحد منا قد يملك في منزله صندوقا للأدوية ممتلئا بألوان شتى من الدواء، ولكن عندما يصاب صاحب هذا الصندوق بقليل من الصداع فهو يبحث عن قرص أسبرين، قد لا يعرف مكانه في صندوق الدواء فيبعث في شرائه، وذلك أسهل وأوثق. والحق سبحانه قد جمع للقرآن بين " نزل " و " أنزل " فقال: ﴿ من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان... ﴾.