3.26
وساعة تسمع كلمة " ملك " ، فلنا أن نعرف أن هناك كلمة هي " ملك " بضم الميم، وكلمة أخرى هي " ملك " بكسر الميم. إن كلمة " ملك " تعني أن للإنسان ملكية بعض من الأشياء، كملكية إنسان لملابسه وكتبه وأشيائه، لكن الذي يملك مالك هذا الملك فهذا تسميه " ملك " ، فإذا كانت هذه الملكية في الأمر الظاهر لنا، فإننا نسميه " عالم الملك " ، وهو العالم المشاهد، وإذا كانت هذه الملكية في الأمر الخفي فإننا نسميه " عالم الملكوت ". إذن، فنحن هنا أمام " ملك " ، و " ملك " و " ملكوت ". ولذلك فعندما تجلى الحق سبحانه وتعالى على سيدنا إبراهيم خليل الرحمن وكشف له ما خفي عن العيون وما ظهر، قال سبحانه:
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين
[الأنعام: 75]. أي أن الله سبحانه وتعالى أراد لسيدنا إبراهيم أن يشاهد الملكوت في السماوات والأرض، أي كل الأشياء الظاهرة والخافية المخفية عن عيون العباد. وهكذا نرى مراحل الحيازة كالآتي: ملك، أي أن يملك الإنسان شيئا ما، وهذا نسميه مالكا للأشياء فهو مالك لأشيائه، ومالك لمتاعه، أما الذي يملك الانسان الذي يملك الأشياء فإننا نسميه " ملك " ، أي أنه يملك من يملك الأشياء، والظاهرة في الأولى نسميها " ملك " فكل إنسان له ملكية بعض الأشياء، وبعد ذلك تنحاز الى الأقل أي أن تنسب ملكية أصحاب الأملاك إلى ملك واحد. فالملكية بالنسبة للإنسان تتلخص في أن يملك الإنسان شيئا فيصير مالكا، وإنسان آخر يوليه الله على جماعة من البشر فيصير ملكا، هذا في المجال البشري. أما في المجال الإلهي، فإننا نصعد لنرى من يملك كل مالك وملك، إنه الله سبحانه وتعالى. ولا يظن أحد أن هناك إنسانا قد يملك شيئا أو جاها في هذه الدنيا بغير مراد الله فيه فكل إنسان يملك بما يريده الله له من رسالة فإذا انحرف العباد فلا بد أن يولى الله عليهم ملكا ظالما، لماذا؟ لأن الأخيار قد لا يحسنون تربية الناس.
وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون
[الأنعام: 129]. وكأن الحق سبحانه يقول: يأيها الخير - بتشديد الياء - ضع قدما على قدم ولا تلوث يدك بأن تنتقم من الظالم، فسوف أضع ولاية ظالم أكبر على هذا الظالم الصغير، إنني أربأ بك أن تفعل ذلك، وسأنتقم لك، وأنت أيها الخير منزه عندي عن ارتكاب المظالم ولذلك نجد قول الحق:
وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون
[الأنعام: 129]. ونحن جميعا نعرف القول الشائع: " الله يسلط الظالمين على الظالمين ".
ولو أن الذين ظلموا مكن منهم من ظلموهم ما صنعوا فيهم ما يصنعه الظالمون في بعضهم بعضا. إن الحق يسلط الظالمين على الظالمين، وينجي أهل الخير من موقف الانتقام ممن ظلموهم. إذن فنحن في هذه الحياة نجد " مالك " و " ملك " وهناك فوق كل ذلك " مالك الملك " ، ولم يقل الله: إنه " ملك الملك " لأننا إذا دققنا جيدا في أمر الملكية فإننا لن نجد مالكا إلا الله. ﴿ قل اللهم مالك الملك ﴾ [آل عمران: 26] إنه المتصرف في ملكه، وإياكم أن تظنوا أن أحدا قد حكم في خلق الله بدون مراد الله، ولكن الناس حين تخرج عن طاعة الله، فإن الله يسلط عليهم الحاكم الظالم، ولذلك فالحق سبحانه يقول في حديثه القدسي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يطوي الله - عز وجل - السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ".
إياك أيها المؤمن أن تظن أن أحدا قد أخذ الملك غصبا من الله. إنما الملك يريده الله لمن يؤدب به العباد. وإن ظلم الملك في التأديب فإن الله يبعث له من يظلمه، ومن رأى ظلم هذا الملك أو ذاك الحاكم، فمن الجائز أن يريه الله هذا الملك أو ذلك الحاكم مظلوما. إنه القول الحكيم يؤكد لنا أنه سبحانه وتعالى مالك الملك وحده. إن الحق سبحانه يأمر رسوله الكريم: ﴿ قل اللهم مالك الملك ﴾ [آل عمران: 26] إن كلمة " اللهم " وحدها فيها عجب من العجائب اللغوية، إن القرآن قد نزل باللسان العربي وأمة العرب فصيحة اللسان والبيان والبلاغة، وشاء الحق أن يكون للفظ الجلالة " الله " خصوصية فريدة في اللغة العربية. إن اللغة العربية تضع قاعدة واضحة وهي ألا ينادي ما فيه، أداة التعريف، مثل " الرجل " ب " يا " فلا يقال: " يا الرجل " بل يقال: " يأيها الرجل " لكن اللغة التي يسرها الله لعباده تخص لفظ الجلالة بالتقديس، فيكون من حق العباد أن يقولوا: " يا الله ". وهذا اللفظ بجلاله له تميز حتى في نطقه. ولنا أن نلحظ أن العرب من كفار قريش وهم أهل فصاحة لم يفطنوا إلى ذلك، فكأن الله يرغم حتى الكافرين بأن يجعل للفظ الجلالة تميزا حتى في أفواه الكافرين فيقولون مع المؤمنين: " يا الله ". أما بقية الأسماء التي تسبقها أداة التعريف فلا يمكن أن تقول: " يا الرجل " أو " يا العباس " لكن لا بد أن تقول " يأيها الرجل " ، أو " يأيها العباس " ، ولا تقول حتى في نداء النبي: " يا النبي " ، إنما تقول: " ياأيها النبي ".