3.137
أي أنتم لستم بدعا في هذه المسألة. و " خلت " تعني " مضت " ، أي حصلت واقعا في أزمان سبقت هذا الكلام. وعادة فالأخبار التي يتكلم بها الإنسان مرة تكون خبرا يحتمل الصدق والكذب، لكن هذه المسألة لا تحتاج إلى صدق أو كذب لأن الواقع ليس أمرا مستقبلا، ولكنه أمر قد سبق، فبمجرد أن يجيء الكلام لا ننتظر واقعا يؤكد صدق الكلام، لأن الواقع قد حدث من قبل، فيقول سبحانه: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ [آل عمران: 137]. والسنن هي الطرق التي يصرف الله بها كونه بما يحقق مصلحة ذلك الكون ليضمن للإنسان - السيد في هذا الكون - ما يحقق مصلحته، ومصلحة الإنسان تتمثل في أن يسود الحق في حياة الإنسان المختار كما ساد الحق في الكون المسير قبل الإنسان. وقد قلنا إن في هذا الكون تسخيرا: أي لا إرادة له، لا إرادة للجماد ولا للنبات. ولا للحيوان في أن تفعل الخير لك أو لا تفعل. فلم يحدث أن جاء إنسان لأرض صالحة للزراعة، ووضع فيها بذورا، فلم تنبت الأرض وقالت له: لن أعطيك، ولم تقل الأرض يوما عن إنسان: إنه كافر فلن أعطي له الرزق. إن الأرض مسخرة لخدمة الإنسان ما دام يأخذ بأسبابها فهي تؤدي له. والحيوانات أيضا مسخرة لخدمتك لا باختيارك، ولا بقدرة تسخيرك لها، ولكن بتسخير الله لها أن تفعل. وقلنا: إن الإنسان قد تكون عنده مطية، مثل بعض الفلاحين، فمرة يجعلها صاحبها تحمل أكوام السباخ من روث الحيوان وفضلاته، وبعد ذلك يلوح له أن يخرجها من عملها هذا ويجعلها ركوبة له، ويدللها بالأشياء التي تعرفونها من لجام جميل وسرج أجمل، ويرفهها في حياتها وينظفها. هل في الحالة الأولى امتنعت المطية عن حمل السباخ أو امتنعت في الحالة الثانية عن حمل الإنسان؟ لا أنت تسيرها مثلما تريد أنت، فليس لها اختيار. ولا النبات له اختيار، ولا الجماد له اختيار، ولا الحيوان أيضا، إنما الاختيار للإنسان. وقد حكم الله اختيار الإنسان بمقادير يكون الإنسان مسخرا فيها حتى لا يظن أنه استقل بالسيادة فأصبحت له قدرة ذاتية. والحق يحكم الإنسان بأشياء يجعلها قهرية على الإنسان كي يظل في إطار التسخير. ويترك الحق للإنسان أشياء ليبقى له فيها الاختيار. فإذا ما نظرنا إلى الكون وجدنا أن ما لا اختيار فيه لشيء يسير على أحدث نظام ولا تصادم فيه، والذي فيه اختيار للإنسان هو الذي يختل، لماذا؟. لأن الإنسان قد يختار على غير منهج الذي خلق وهو الله - سبحانه وتعالى - فإذا أردت أن يستقيم لك الأمر أيها المختار فاجعل اختيارك في إطار منهج الله.
وحين تجعل اختيارك في إطار منهج الله تكون قد أصبحت سويا كبقية الأجناس وتسير الأمور معك بانتظام. وعندما تقارن بين شيء للإنسان فيه اختيار وعمل، وشيء لا اختيار للإنسان فيه ولا عمل، فأنت تجد أن الشيء الذي لا اختيار للإنسان فيه مستقيم الأمر، ولا خلاف فيه أبدا، أما الشيء الذي فيه اختيار للإنسان، فأنت تجد فيه الخلاف. مثال ذلك: لو نظرنا إلى وسيلة مواصلات من الحيوانات كالجمال أو الخيل أو الحمير، فإننا نجدها تسير في طريق واحد، وتتقابل جيئة وذهابا فلا يحدث تصادم بين حمار وحمار، ولا قتل لراكب أحد الحمارين. إن الحيوانات يتفادى ويتحامى بعضها بعضا حتى لو كان الراكب نائما. ومهما كان الطريق مزدحما فالحيوانات لا تتصادم لأن ذلك من نطاق تسخير الحق للحيوان. ولننظر إلى الإنسان حين تدخل ليصنع وسيلة مواصلات، صنع الإنسان ألوان السيارات، يقودها الإنسان، ومع أن الإنسان هو الذي يقود السيارات، وبرغم ذلك بدأت تأتي المخالفات والمصادمات والحوادث لأن للإنسان يدا في ذلك. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يدلك على أن ما خلق مسخرا بأمر الله وتوجيهه لا يتأتى منه فساد أبدا، إنما يتأتى الفساد مما لك فيه اختيار، فحاول أن تختار في إطار منهج الله. فعندما يقول الحق لك: " افعل كذا ولا تفعل كذا " فعليك أن تصدق وتطيع لأن الحق سبحانه عندما سخر الأشياء للإنسان سارت بانتظام رائع، وأنت أيها العابد عندما تطيع الله فإن الأمور في حياتك تمشي بيسر. ولذلك قلنا: إن الناس لم تشتك قط أزمة شمس ولم يشتكوا أزمة هواء، لكن لماذا اشتكوا أزمة طعام؟ إن الإنسان له دخل في إنتاج الطعام. فما للإنسان فيه دخل يجب أن يحكمه قانون التكليف من الله: " افعل كذا ولا تفعل كذا ". الكون مخلوق بحق. ومعنى أنه مخلوق بحق أن كل شيء في الوجود يؤدي مهمته كما أرادها الله، وكما سخر من أجله إذا ما قام الإنسان بتنفيذ التكليف فكل شيء يسير بحق. وإن ترك الإنسان التكليف وأخذ باختياره فإنه يصير إلى باطل ونتج ما هو باطل، والكون مبني على الحق: